| ► | يونيو 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 |
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 |
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |
| 27 | 28 | 29 | 30 | |||

قضايا مصرية (7)
مصر فى العام 2007
رئاسة جديدة بوجوه قديمة
لماذا سينجح المشروع الإيرانى !؟
* * * * * * * * * *
تمثيل منظومات الكيانات السياسية "بدوائر" هندسية يحدد العلاقات الإرتباطية فيما بينها والتى يمكن تلخيصها فى أنواع أربع هم: الانفصال التام والتماس والتقاطع والاحتواء. قراءة واستبصار ملامح العام الميلادى والهجرى الجديدين (2007 / 1428) يمكن أن يتم بإسقاط تلك الدوائر على رقعة الصراع العالمى بالعموم (وهو من تعريفات السياسة) ومنطقة الشرق ألأوسط ومنها مصر بالخصوص استرشادا بخصائص تلك الدوائر وبالدروس التاريخية وبقوانين الطبيعة المادية.
بداية الدوائر الفاعلة (فى العالم والمنطقة) هى الدائرة الأمريكية التى تتقاطع مع غيرها بدرجات متفاوتة (مثل الإتحاد الأوربى وتركيا وباكستان) وتحتوى أو تبتلع أخرى من دول أو من تجمعات سياسية أشبه بالدويلات (مثل إسرائيل ومصر والأردن وأجزاء كبيرة من دول الخليج ومجموعة 14 آذار فى لبنان والسلطة الفلسطينية وحكومة كرزاى أفغانستان وبعض المنتفعين فى العراق). وهناك الدائرتان الشرقيتان الروسية والصينية اللتان تتقاطعان فيما بينهما فيما يسمى "بمعاهدة شنغهاى" وتسعيان لمزيد من التقاطعات مع دول منطقة القلب العربى وأفريقيا. وهناك دائرة بدأ نضوجها فى أمريكا اللاتينية تحت راية عقيدة "اليسار الديموقراطى" (وهو الطريق الثالث بين اليسار التقليدى والليبرالية).
وهناك الدائرة الإيرانية (المثيرة للجدل والخوف والإعجاب فى آن واحد) والتى تتماس وتتقاطع وتتباعد مع كافة دوائر العالم السياسية الفاعلة ولكن لا يحتويها أحد وإن كانت هى تسعى لاحتواء نظم أخرى كأمر طبيعى لطموحات مشروعها النهضوى الذى يختلط فيه القومى (الفارسى) مع الدينى المذهبى (الشيعى) اختلاطا يعجز المحللون عن الفصل أو التمييز بينهما أو الإدعاء بالتوصيف الصحيح له. هذا المشروع الإيرانى يمكن تصنيفه (إلى حد ما) كنموذج تكرار القالب التاريخى لتجربة "القومية الناصرية"، ويمتاز عليه بأن "قومية" المشروع الإيرانى مدعومة "بعقيدة دينية" تضفى عليه زخما وسندا بعكس التجربة الناصرية.
من الملاحظات الهامة (جدا) أن النخبة الإيرانية لم تدخل فى صراعات فكرية أو دينية حول الخلافات الوهمية بين "القومية" المحدودة و"الأممية الإسلامية" الممدودة كما يحدث فى عالمنا العربى الذى تتأجج فيه صراعات وهمية واهية بين "الإسلامية الأممية" وبيم "القومية العربية" إلى درجة الاتهامات العنيفة المتبادلة بالتكفير من جانب وبالظلامية من جانب أخر وكأن القومية لا تتلاقى مع الأممية. تزاوج القومية العربية مع الأممية الإسلامية سيؤدى إلى تغيير حتمى وجذرى فى المنطقة العربية إلى الأفضل.
حالات احتواء منظومة دولية لأخرى (أو أخريات) تكشفها قوانين الطبيعة المادية وحقائق الأشياء التى تؤكد حتمية غير قابلة للشك وهى أن الدوائر (أو النظم) الحاوية المهيمنة حينما تنهار ينهار معها ما تحتويه بالتبعية، أو على اقل تقدير تقوم بلفظ ما فى جوفها لتخفف من حملها تاركه إياه لمصيره تبعا لقدراته الذاتية. فلا صداقة دائمة فى عالم الصراعات "البرجماتى" ولكن هناك منافع ومصالح دائمة. وقد تصل الأمور بأن تحاكى الدول المهيمنة بعض أنواع الزواحف (البرص كمثال) فى ترك مؤخرة ذيلها لتلهى به أعدائها وتنجو هى بروحها.
والسياسة فى عصر العولمة والنيوليبرالية قد أصبحت مثل بورصة الأوراق المالية، صعود وهبوط وافتتاح وإغلاق، وأسهم تتصاعد بثبات وعناد وأخر تتخلف وتتراجع وثالثة تهوى فى حضيض الإفلاس. الفارق بين السياسة والبورصة هو أن صغار المستثمرين فى عالم السياسة يمكن أن يجدعوا أنف كبار الحيتان ويستحقون الزعامة ويحتلون المكانة شريطة ثلاث: الأولى عقيدة واضحة (دينية أو فكرية)، والثانية توفر أركان التخطيط العلمى (الرؤية والغاية – الإستراتيجيات – السياسات – المهام والأعمال – الموارد – الأدوار – التوقيتات – المراجعات)، أما الثالثة فهى الإرادة والإصرار والنفس الطويل.
* * * * * * * * * * * * * * *
أولا: المشهد العام – سقوط المشروع الإمبراطورى فى الشرق الأوسط :
يمثل المشهد السياسى العام الآن (أو بورصة السياسة العالمية) مقدمات لنتائج تبدو حتمية الحدوث فى العام الجديد، والتى يمكن تلخيصها (كمقدمات حالية ونتائج متوقعة) فى النقاط الآتية:
1 – هناك مؤشرات انتكاسة حادة لمؤسسة الأعمال الأمريكية (وهو التوصيف الصحيح للولايات المتحدة) تهدد بإفلاسها المحتمل وبالفشل المؤكد لمشروعها الإمبراطورى، وهو الأمر الذى ظهر فكريا فى توصيات تقرير "جيمس بيكر" وتصريحات "ريتشارد هيس" كإقرار من داخل المؤسسة ذاتها. وفى تصريحات "كوفى أنان" بعدما تحرر من قيود الوظيفة الرسمية كأمين عام الأمم المتحدة الأمريكية (!!). وظهر ملموسا ماديا فى الهزائم العسكرية المتكررة والفشل فى تحقيق الأهداف والمشاكل المالية والاقتصادية والقصور الواضح فى إدارات الأزمات الداخلية (إعصار كاترينا كمثال).
2 – بدأ المشروع الإمبراطوري الأمريكى فى القرن التاسع عشر بالقارة الأمريكية والجوار اللاتينى والمستعمرات البرتغالية والأسبانية ثم أتجه نحو الشواطئ الأسيوية عبر الهادي ثم إلى أوربا بعد الحربين العالميتين، ثم إلى منطقة الشرق الأوسط كاستثمار لنجاحاته فى الحرب العالمية الثانية مبتدأ ببترول الجزيرة العربية ثم إزاحة بريطانيا من إيران ثم التبنى الكامل لوكيلها المعتمد "إسرائيل" بعد حرب يونيو 1967، ثم التجذر التام بالمنطقة العربية بعد معاهدة السلام "الساداتية" 1977 ، ثم الاحتواء المزدوج لإيران الإسلامية والعراق (كأكبر قوة عربية فى ذلك الوقت) فى حرب الثمان سنوات (من سبتمبر 1980 إلى أغسطس 1988 والتى تعتبر أطول حروب القرن العشرين وأدت إلى مقتل أكثر من مليون شخص وتحقيق خسائر مالية تتجاوز 1200 مليار دولار أمريكى (ترليون ومائتى مليار) للطرف الإيرانى وللطرف العراقى وحلفائه)، ثم استقطاب وتعبئة شعوب العالم والمنطقة العربية فى تحالف تدمير الكيان العراقى فى العام 1991 (حرب تحرير الكويت)، ثم الاحتلال التام لأفغانستان والعراق وإسقاط منظومة الدولتين وتنصيب وكلاء أعمال محليين (2001 – 2003).
المثير فى هذا التاريخ الدامى أن المشروع الإمبراطورى المتأثر بفلسفة الإمبراطورية الرومانية، المستندة على القوة والخيلاء والتى أخذ منها فلسفة "الصدمة والترويع" والغير مسبوق فى التاريخ قد سقط على أيدي جماعات عقائدية محدودة العتاد والإفراد وليس بواسطة دول نظامية (!!)، هى التى صدمته وهى التى روعته، والأهم أنها (أى الإسلامية) مرشحة بقوة لتبوء مكانة عالمية مميزة فى العصر الجديد (!).
3 – ومن الجدير بالذكر أن تلك الهزيمة (أو الانتكاسة) لأكبر وأضخم مشروع إمبراطورى فى التاريخ قد تم توقعها منذ بدايات الإعلان عن أطروحة "صدام الحاصرات" التى صنفت "الإ
قضايا مصرية (6)
احتلال وانحلال
حرب الرموز على العقيدة والهوية
لم يعد فى قاموس الكلمات ما يكفى لوصف الحالة المصرية المتردية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كافة المشاكل تهون مهما كانت ضراوتها إلا الاجتماعية، فكم عانت مصر كثيرا فى تاريخها من جوع ومرض واحتلال وإذلال بدأ من الهكسوس الذين استمروا واحد وثمانين ملكا إلى أسرة "محمد على" الألباني وحكام الجمهوريات الذين أسلموا إراداتهم للهيمنة الأمريكية ولأعداء مصر التاريخيين الطبيعيين.
كان الأمل باقيا دائما بفضل سلامة نسيج "مصر" الاجتماعى الذى "كان" يستمد تماسكه ومقاومته من إيمانيات الشعب وعقيدته وأخلاقيات أمة متجذرة فى التاريخ منذ بدأ التأريخ. وتكون النتيجة (أو كانت) دائما أن يهب المصرى متحررا من توابيت الأسى وأكفان المهانة مستمدا قوته من موروثات ثقافته المستندة أساسا على كونه أقدم شعب متدين فى التاريخ، ولهذا سميت مصر بالمحروسة – المحروسة بعقيدتها وإيمانياتها وثقافتها الدينية التى لم ينجح أى غاز خارجى أو محتل داخلى فى اختراقها أو تشويه أصلها.
فطن أعداء مصر الطبيعيين التاريخيين إلى قوة جهاز "مصر" المناعى وأدركوا أن السبيل الأمثل لقتل هذه الأمة هو إصابتها "بالإيدز" العقائدي الذى يفقدها مناعة روحها ويشل قدرة إيمانها، وذلك عن طريق محوريين أساسيين قد يبدوان منفصلين لكنهما مرتبطان متلاقيان وهما تسفيه "العقيدة" وتحييدها وضرب بذور الشك فى الهوية. أما عن سبل العدوى وأدواتها فكثيرة عديدة منها ممارسة "الشذوذ الفكرى" وافتعال وضعه فى أطر ثقافية حضارية ديكورية (!)، ومنها نقل الدم المصاب إلى داخل الأمة ممن يبدون من فصيلتها (!!). أما أدواتهم فتكون فى عملائهم، سلطة متمصرة تبدو عربية بثقافة أعجمية تمثل اختراقا وطنيا واحتلالا داخليا، وزمرة من مدعىّ الثقافة يشككون ويشتتون الهوية ويسفهون الفضيلة ويشيدون بإستماته بكل فاجر ورذيلة.
* * * * * * * * * * *
(1) حرب الرموز :
مصر ليست عربا فقط وفراعين بل ومن كل ملّة متمصرين. ويزيد عليهم المتحولون والمتحورون ومتعددى الجنسية وهم ينتسبون أسما للمصرية لكنهم فعليا وعمليا ذو أهواء أعجمية وولاءات غربية.
لم تكن مصادفة أن تكون السيدة الأولى فى الجمهورية الثانية من رعايا "مالطة"، وأن تكون فى الجمهورية الثالثة من رعايا "ويلز" أو "اسكتلندا" وأن تحظى العائلة الرئاسية بالجنسية البريطانية. ولم تكن مصادفة أن يكون معظم الوزراء منذ نهاية السبعينات من مجتمعات أوربية وثقافات غربية وانتماءات متعددة الجنسيات، بدأ من مجموعة وزراء نادى باريس (وزارة عاطف صدقى) إلى عصبة الأمم الحالية التى تتبوأ الآن معظم المقاعد الوزارية ومفاصل الدولة المصرية.
لم تكن مصادفة أن يتم مطاردة الإسلاميين واعتقالهم (من 22 إلى 30 ألف معتقلا إسلاميا سياسيا فى سلخانات الأمن)، ولم تكن مصادفة أن يتم تهميش الدراسات الدينية فى المدارس والجامعات (حتى قبل 11 سبتمبر)، ولم تكن مصادفة أن يتم الهيمنة على الأوقاف الإسلامية وعدم صرفها فيما أُوقف لها، ولم تكن مصادفة أن يتم إهمال المساجد والزوايا وتعيين نوبتجيات أمنية ترصد الأنفاس المبتهلة فى صلواتها والأكف الضارعة فى دعواتها، ولم تكن مصادفة أن يتم تعظيم كل سحاقية وهرطقية إعلاميا كمثال للاحتذاء ونموذج للاقتداء، ولم تكن مصادفة أن يدفع بالشواذ لتبوء المقاعد القيادية والمناصب الرئاسية. ولم تكن مصادفة أن يتم مطاردة ومضايقة طلاب العلم الأجانب الملتحقين بالمعاهد العلمية الأزهرية بغرض إضعاف دور "الأزهر" التاريخى وتحجيمه وتقزيمه عالميا وإسلاميا.
ولم تكن مصادفة أن يتوالى الهجوم على فريضة "الحجاب" الذى يصورونه أمرا عفويا أو شيئا ثانويا مقارنة بطوفان المشاكل الدموية التى تعيشها البلاد ويقاسيها العباد. ولم تكن مصادفة أن يتجرأ الهرطقيون والهرطقيات بنعت ركن من أركان الإسلام (وهو الحج) بأنه شكل من أشكال الوثنية (!!).
وقد أنساق البعض من القوى الوطنية (ومنهم الإسلامية) وراء الاعتقاد بصحة تلك المقولة .. "مقولة أن هناك أمورا أكثر أهمية من الحجاب". وهذا ليس صحيحا بالمطلق ويكفى الآن أن نعرف فحواه وأهميته.
فالحجاب حتى لو كان مثار جدل فى كونه من الفرائض الدينية فإنه يعتبر "رمزا" للأمة المصرية مسلميها ومسيحيها – رمزا للعفة والاحتشام. فمصر ليست القاهرة المريضة التى تمثل كوكتيلا ديكوريا منفرا تبارت سلطات الاحتلال الداخلى فى مسخه وتشويهه (وإن كانت ممتلئة بالمحجبات من شرقها لغربها)، مصر الحقيقية هى الريف والصعيد والبوادي والكفور والنجوع الذين مازالوا يتمسكون بفضيلة الحجاب كعقيدة دينية أكثر منها عادة اجتماعية.
أخطأ كل من استهان بتلك المعركة - فحروب الرموز أشد أنواع الحروب خطورة وتأثيرا.
سبق وان تطرق الأستاذ "هيكل" فى حديث له على فضائية الجزيرة ( الخميس 29 يونيو 2006) عن أهمية "حروب الرموز" كإستراتيجية غربية إسرائيلية وقام بتوضيح مدى خطورتها وضراوتها فذكر أن جزء كبيرا جداً من ما دار حوله التفاوض بين مصر وإسرائيل (قبل وبعد حرب أكتوبر 1973) كان حول "رموز" تتعلق بالشعب المصرى منها أسم البلد (الجمهورية العربية المتحدة) ومنها علم الجمهورية ومنها نشيد مصر الوطنى (والله زمان يا سلاحى). وقد أنصاع "السادات" كعادته لكافة الإملاءات الإسرائيلية كليا جذريا باستثناء "العلم" الذى قام بتغيره جزئيا بعد رفض قيادات عسكرية تغييره لكونه الراية التى عبرت تحتها فيالق قواتنا المسلحة حاجز الهزيمة.
التغيير المادى قابل للتعديل والتغيير والإعادة للأصل، لكن تغيير الرموز وتعديلها يرسخ مفهوم الانصياع التام ويؤكد ثقافة الانهزام أمام الآخر وهو أمر من الصعب علاجه ومن الأصعب أن يعود لأصله.
فهل "الحجاب" كرمزية للمتدينين عامة (مسلمين ومسيحيين) اقل شأنا من رمزية العلم والنشيد الوطنى وأسم الجمهورية ؟؟؟.
حرب "الحجاب" كانت وستظل حربا رمزية لترسيخ فيروس "الإيدز الأخلاقى" فى إيمانيات الأمة المصرية بعد نجاحاته المبدئية فى إصابة قطاعات كبيرة بالمرض الذى لا علاج له ولا شفاء.
نجح الاحتلال الداخلى فى إصابة جهاز المناعة المصرى الأخلاقى. فإن كان فى مصر أكثر من 14 ألفا من حالات الإصابة بالإيدز المرضى العادي المعروف، أكثر من 80% منها نتيجة ممارسات شاذة، فإن هناك عشرات إضعاف هذا الرقم من حالات "الإيدز الأخلاقى" تظهرها عشرات الآلاف من قضايا أثبات النسب أمام المحاكم المصرية، وأرقام مفزعة عن حالات زواج عرفى
قضايا مصرية (5)
روائح سياسية كريهة (!)، كيف يمكن منع شرورها ؟؟
الأحداث بالعموم لا تأتى عبثا ولا تُخلق من عدم، فإما أن تأتى لاحقة كنتائج لما قبلها أو أن تأتى سابقة كمقدمات لما بعدها. وفى عالم السياسة وخاصة فى حال الأزمات هناك ما يسمى بالأحداث الوسطية أو المرحلية التى تصل ما قبلها بما بعدها، فإن أجاد الهدف المقصود من الحدث (المفعول به) قراءتها فهى تفضح له ما فات وتخبره منذرة أو مبشرة بالقادم الآت. وهناك مقولة قديمة من الأدبيات المصرية القديمة (ما يسمونها بالفرعونية) تقول "إن رائحة الفساد تفضحه". فإن كان فسادا حديثا قادما فستكشفه مقدمات رائحته، وإن كان فسادا مدفونا فستفضحه نتانة رمّته. وفى هذا الإطار تدفقت على المنطقة العربية ومنها مصر مجموعات من الأحداث ذات المغزى والدلالة، منها:
1 - مجموعة التصريحات "الشاذة" لوزير الثقافة المصرى وما صحبها من ردود أفعال من عناصر السلطة الحاكمة ومن القوى الوطنية (وخاصة الإسلامية) ممن يسمون بعصبة "المثقفين" المصريين سواء أكانوا علمانيين ليبراليين أو يساريين تقدميين.
2 – القنبلة شديدة الانفجار التى أطلقها الأستاذ "هيكل" منذ حوالى الأسبوع فى حديثه على فضائية "الجزيرة" وكشفه وفضحه مؤامرة "مصرية - أمريكية" جرت لغزو ليبيا فى العام 1985، كتكرار لمؤامرة تاريخية سابقة "مصرية – إسرائيلية" فى العام 1977. والغريب أن تلك الفضيحة قد مرت مرور الكرام (!!) دون احتجاج أو حتى تعليق، وقد يكون هذا لأحد سببين أو لكلاهما، الأول هو أنه قد بات حقيقة يقينية للنخبة الوطنية المصرية مدى عمالة السلطة المصرية الحالية على أمتها العربية وهو أمر لم يعد يحتاج لتعليق أو تعقيب. والثانى هو أن أحد الأهداف الحقيقية من وراء التصريحات الشاذة لوزير الثقافة وهو "إلهاء" النخبة والشارع المصرى قد أتت ثمارها.
3 – تصريحات العاهل الأردنى التى يتنبأ فيها بحدوث ثلاثة حروب أهلية فى المنطقة (العراق – لبنان – فلسطين) وهى تصريحات متسقة مع تصريحات له سابقة عن ما يسمى "بالهلال الشيعى"، محور "إيران – شيعة العراق – العلويين فى سوريا – حزب الله وحركة أمل فى لبنان". وفى السياق أيضا تثار فى "مصر" حركة تعبئة واستنهاض "الهمم" المصرية لمواجهة "تحرك" إيرانى "معادى" يهدف إلى الهيمنة على مقدرات الشرق الأوسط سياسيا ومذهبيا دينيا.
ويحتوى هذا المقال على الموضوعات الأربعة الآتية:
أولا: تصريحات شاذة.
ثانيا: ليبيا . . . . نموذج لتحالف "مصرى – إسرائيلي" ، وتحالف "مصرى – أمريكى".
ثالثا: إيران … هل أصبحت العدو رقم "1" للأمة العربية والإسلامية (!!!!) :
رابعا: كيف تتقى الوطنية المصرية شرور تلك السياسات الكريهة ؟؟
* * * * * * * * * *
أولا: تصريحات شاذة :
تتلخص تصريحات وزير الثقافة المصرى الشاذة فى هجوم صريح ومباشر على "فريضة" حجاب المسلمات ونعته بالإنكفائية والجهل والتخلف وبأنه محاكاة لعادات مستوردة "عربية" (!!) – (وكأن مصر من البنغال أو من بلاد الغال). وبأن الحجاب ليس من أركان الإسلام الأربعة (!!) – وكلمة أربعة ليست خطأ بالمقال بل خطأ بتصريحات "زينة الرجال" (!). وتمادى شذوذ التصريح ليصيب رجال الدين القائمين بالدعوة للحجاب وعدم السفور أو بإصدار الفتاوى حولها بنعتهم أنهم "شيوخ بثلاثة مليم". وبالتبعية لم تسلم المصريات العفيفات المحجبات من "الرذاذ" المتناثر بنعتهن بالتخلف والمرض النفسى بل واتهامهن بأنهن السبب فى الكثير من الجرائم والمخالفات (!!).
وتصريحات وزير السلطة المصرية (وخاصة لمن يعرف فسيولوجيته، أى وظائف أعضائه الطبيعية، وصفاته الشخصية وتاريخه وأصله وفصله) فى ذاتها لا قيمة لها، بل أن أرائه تأتى متسقة مع سماته (!)، والمغزى الحقيقى يكمن فى توقيت التصريح وأسبابه، فهو لم يأت مصادفة أو فى "عفوية" بل فى سياق ما قبله وكمقدمات ونذائر لأشياء بعده:
1 – الكل فى "مصر" يعلم، وبنص "الدستور" المقصور، أن مجلس الوزراء المصرى برمته ليس إلا "مجموعة سكرتارية" تنفيذية للسيد رئيس الجمهورية، بدأ من السيد رئيس مجلس الوزراء وما يسمون بأصحاب الوزارات السيادية إلى وزراء الصف الثانى قليلة أو عديمة الأهمية (ومن بينها الوزير صاحب التصريحات). هذه الحقيقة جهر بها نائب رئيس وزراء أسبق (يوسف والى) ولم تأتى بجديد فهذا أمر معلوم. ولذا فمن الصعب تصديق أن يأتى "التابع" بأمر ما دون إذن وتوجيه "المتبوع"، وخاصة إن كان لهذا الأمر تأثير عام داخلي وخارجي.
2 – الوزير (صاحب التصريحات) فى ذاته يعتبر نموذجا مثاليا يعكس طبيعة السلطة المصرية الحاكمة الحالية. فقد أتى الوزير لمنصبه فيما يشبه المصادفة (أو فى ريبة وبطريقة غريبة) ممن يسمون بنادى "باريس" (وزارة عاطف صدقى، الذى كان متزوجا من راقصة متمصرة ذات أصول أرمينية) وكان خامس المرشحين لتولى المنصب وقد تم اختياره "بهوى" وليس "بمعجزة" (!). وهو صاحب أطول مدة فى المنصب الوزارى (حوالى 20 عاما)، أى يقارب مدة حكم سيده وربيب نعمته (حوالى 25 عاما). وهو صاحب أكبر تلقىّ لدعم خارجى (مباشر وغير مباشر) فى تاريخ وزارة الثقافة المصرية من جهات خارجية معظمها غربية (أوربية وأمريكية). وهو أيضا صاحب أكبر حالات فساد فى تاريخ الوزارة (الفساد المالى والإدارى فى مشروعات الترميم - وحوادث سرقة القطع الأثرية التى تقدر بمئات الآلاف وتصل فى بعض التقديرات لآحاد الملايين). وهو يستخدم أسلوب سيده الذى يتلخص فى "سيف المعز وذهبه" أو فى "عصا الحمار وجزرته"، والتى عن طريقها نجح نجاحا مبهرا فى "تطفيش" الأسوياء والإصحاح الأصحاء واستقطاب الأرباع والأنصاف الدهماء فى عزبته المسماة وزارته. وأخيرا وليس أخرا فهو "جاهل" بأساسيات دين دولته ويجهر بجهله، ويتصرف فى وزارته ولا شأن له بما نص عليه "دستور" البلاد وعقيدة العباد، فهو فى وادِّ وهم فى وادِّ (!).
3 – من أهداف التصريحات الشاذة (طبقا للتحليلات) هو "إلهاء" الشعب ونخبته عن أمور وعمل مستور – وهذا يبدو طبيعيا وأمرا منطقيا لكن ما هى تلك الأمور ؟؟؟. منها التعتيم على أحداث القمع الأمنى المفرط (الذى وصل إلى درجة الذبح) لانتفاضة العمال فى انتخاباتهم النقابية وشباب الجامعات المصرية احتجاجا على تزوير إرادتهم فى الانتخابات الطلابية. ومنها التعتيم على زلات رئيس الجمهورية فى خطابه الذى يعد تنصلا من وعوده الانتخابية الرئاسية. ومنها التمويه على أحداث تمت خلسة لهدم ركائز الاقتصاد المصرى واختراق أمنه القومى وهو موضوع الصيدليات المصرية التى تعرضت لهجمات مريبة من جهات أمنية لا علاقة لها بالمجال (منها مباحث الآداب) بهدف الإرهاب والترهيب وكسر الإرادة تمهيدا لتسليمهم بقرار خصخصة "المنظومة الصيدلية المصرية" واحتكارها لصالح جهات أجنبية مشبوهة. ولم يكن غريبا أيضا أن يرصد المراقبون "موجة" من غلاء الأسعار تمت وسط "هوجة" الرد أو الدفاع عن تصريحات سيادة الوزير الذى أسماه أحد المحامين "بزينة الرجال" !!!!!، وهو هنا يقصد "رجال السلطة" وليس "رجال مصر" – فالفارق كبير جدا جدا فى الحالتين (!!).
4 - من أهداف تلك التصريحات الشاذة أيضا (وطبقا للتحليلات) هو تقديم أوراق اعتماد السلطة المصرية للسيد الأمريكى والتأكيد على توافق "عقائدهم" مع عقائد أصحاب أطروحة "صدام الحضارات أو الثقافات". ومن الأهداف الهامة أيضا (فى رأيى) هو إعادة "غربلة" (granularity) المجتمع المصرى (!!) – بمعنى تفعيل تقسيم الشارع والنخبة إلى إسلاميين ومحايدين وعلمانيين لا دينيين (بمختلف أطيافهم من اليسار الملحد إلى اليمين الليبرالى العلماني) والتحديد الدقيق لتلك التقسيمات تمهيدا لفعل آت (!!). ولعل هذا يأتى فى سياق التعداد السكاني الذى يجرى حاليا (!!!) بهدف تحديد أنسب الوسائل للوصول إلى الغايات المنشودة (!!)، (غايات السلطة طبعا).
5 – أما عصبة ما يسمون أنفسهم "مثقفين" وينحازون ضد الخلق والدين فهم لا يستحقون عناء الرد عليهم أو مقارعتهم لأنهم ببساطة مدعون تافهون لا وزن لهم ولا قيمة. فالمثقف الحقيقى هو من يتوافر فيه شروط أربعة هم: القاعدة المعرفية والآلية الإدراكية وهموم بقضية ورؤيا للحل. فمن من أولئك المنحرفين ينطبق عليه سمات المثقفين ؟؟؟؟.
* * * * * * * * * *
ثانيا: ليبيا . . . . نموذج لتحالف "مصرى – إسرائيلي" ، وتحالف "مصرى – أمريكى":
قد يعتبرها البعض مفاجأة كبيرة عندما أستمع لدوى القنبلة التى فجرها الأستاذ "هيكل" حينما ذكر ملخصا موجزا لمؤامرة السلطة المصرية الحالية مع جهاز المخابرات الأمريكية فى مشروع "غزو ليبيا" فى العام 1985 – وهو الأمر الذى ظهر فى تقرير الكونجرس الأمريكى أثناء جلسة "تثبيت" ترشيح الرئيس الأمريكى لوزير الدفاع الجديد "روبرت جيتس"، الذى سبق له العمل بجهاز "السى أي ايه" فى وحدة "العمليات" (Operational) وجاء ذكر سابقة أعمالة ومنها إشرافه على التخطيط لعمليه غزو "ليبيا" بمساعدة القوات البرية المصرية.
والمفاجأة ليست فى "عمالة" السلطة المصرية الحالية للإدارات الأمريكية المختلفة والمتعاقبة وانصياعها التام لأوامرها وتعليماتها فهذا أمر مسلم به ومفروغ منه تماما بعدما تم تسليم "الإرادة" المصرية بالإعلان التاريخى (!!) الشهير عن أن 99% من أوراق لعبة الصراع فى يد أمريكا وبعدما تم اختراق المنظومة المصرية تماما عن طريق المؤسسات الأمريكية المختلفة (وهو الأمر الذى يظهر بعضه فى وجود مكتب كبير لجهاز "الأف. بى. أى" فى مصر رغم أنه جهاز أمريكى داخلى يماثل "مباحث أمن الدولة المصرية" – وهذا معناه أن الشأن الداخلى المصرى قد بات شأنا أمريكيا داخليا أيضا).
قد تكون المفاجأة بالنسبة للبعض فى تغير طبيعة الدور المصرى الذى أنتقل من العمالة بالصمت أو بالوساطة إلى العمالة الإيجابية بالمشاركة الفعلية.
حقيقة الأمر أنه لا مفاجأة فى هذا الخبر (!!)، فهو يأتى فى سياق ما قبله وفى أتساق مع ما بعده. فقد سبق للسلطة المصرية أبان حكم الرئيس الأسبق "السادات" أن قامت بعلية غزو فعلى للجار العربى الليبى فى العام 1977 بناء على مخطط ودراسة ودعم إسرائيلى، رغم أن ليبيا كانت من الدول العربية التى دعمت مصر ماليا وساهمت بقوات جوية متميزة فى معارك حرب أكتوبر 1973 بجانب القوات المصرية (عدد 2 سرب طائرات "ميراج" ولواء مدرع) وكان ترتيبها الثالث بعد "العراق والجزائر" من حيث حجم وكم المساعدات العسكرية المشاركة. (سبق تناول هذا الموضوع بالتفصيل والتوثيق فى مقال "قراءة فى التاريخ والأحداث الجارية" ضمن موضوع فرعى بعنوان " السادات مرة أخرى – مهزلة حرب ليبيا" – جريدة الشعب – أكتوبر 2005)
كما سبق للسلطة المصرية الحالية (عصر مبارك) أن قامت بدعم مادى فعلى بالقوات والسلاح ودعم مخابراتي فى حربى العام (1991) والعام (2003) للقوات الأمريكية المعتدية ضد "العراق" الشقيق رغم أن العراق كان الدولة العربية الأولى المشاركة بالدعم فى حرب العام 1973 من حيث القوات والعتاد (سرب "هوكر هنتر" فى مصر وهو كل ما أستطاع تجميعه، وفرقتين أحدهما مدرعة والأخرى مشاة ميكانيكى فى سوريا). (سبق تناول هذا الموضوع بتفصيل فى مقالات سابقة عديدة منها مقال " هل مصر دويلة ومحمية إسرائيلية" – جريدة الشعب فى مارس 2006، ومقال "إرهاصات الجمهورية الرابعة في مصر - القوي المؤثرة في مصر" – جريدة الشعب فى يونيو 2006)
وفى هذا السياق نذكر مقولة للفريق "سعد الدين الشاذلى" القائد العملياتى لحرب أكتوبر 1973 بخصوص القوات العراقية جاء فيها: << ويجدر لي بهذه المن
فى عالم "شكسبير" السياسى (1 & 2)
"هاملت" : اختراق واختلال الوعى وعودة الإدراك
* * * * * * * * * *
الهم الأكبر لم يتغير وهو "أمن وسلامة الأمة" بدوائرها الثلاث المتداخلة (المصرية والعربية والإسلامية). لم نعد نملك ترف "الغم" أى الحزن على ما فات، فالخوف الأكبر والخشية الأعظم هو من القادم الآت ذلك الذى يَجُب سواه ويتقدم على ما عداه. إنه الخوف على مستقبل الأجيال القادمة.
تلك هى ثقافة "الشرقى" الذى يضع ويقدم مصلحة أبناءه وأحفاده على مصلحته الشخصية ومنافعه الحالية. إنكار الذات وإيثار نسله الآت. وذلك هو الناموس الطبيعى لاستمرار الحياة وضمان البقاء. ليس شرطا أن يكون نسل المرء من صلبه وأصله فيكفيه أى برعم لنبتة تخرج من أحشاء أرضه. الأرض التى منها خرج وعليها عاش (وإن غادرها مؤقتا مكرها) وإليها يعود فى ميعاده فأديم أرضه وأرض أجداده من أمثال أجساده.
كم عانت الأمة من أزمات فى تاريخها تجيء وتروح وتتفاوت فى شدتها وتأثيرها، لكن الوتيرة زادت منذ بدايات القرن العشرين وبالتحديد منذ أوليات الحرب العالمية والثورة العربية. تراكمت الأزمات دون تعامل سوى وحل جذرى حتى جاء القرن الواحد والعشرون بنذائر نكبات لا أزمات بدايتها فى العام 2001 (سقوط أفغانستان بحملة عسكرية تحت راية الصليب وبرعاية الرب) ، ثم سقوط "بغداد" فى العام 2003 بمشاركة عربية وإسلامية (!)، والآن تأتينا وتتجلى هذه الأيام ذروة أعراض نكبة حتمية لأمة ضلت وزلت. فما نراه واضحا جليا هو أعمال مراحل اللمسات النهائية لإعداد مسرح عمليات المعركة الكبرى والفاصلة التى ستكون أغرب معركة فى التاريخ، فلا توجد أطراف مقاتلة متقاتلة بل يوجد قصابون (جزارون) وسماسرة قوادون ونعاج بلا فحول تتناطح فيما بينها، فى دوغمائية سفسطائية بيزنطية، وهى تساق إلى مذبحها وحتفها. قطيع بلا كباش يفتقر لأصول النقاش وينعدم فيه الحوار فقط مأمأة وسأسأة وخوار. أصحاب الصوت العال يريدون فرض الرأى بتعال ويدللون بسفسطة هرطقية تخالف الأصول والواقع المنظور، والكل يتصايح كأهل بيزنطة، عدوهم وسطهم وفى حجرات نومهم لا على أبوابهم يشحذ سلاحه لذبحهم بعد هتك عرضهم.
على رأس الإمبراطورية الكونية الأمريكية توجد إدارة عقائدية (صهيومسيحية) و"ضبع" جريح نعته أهله بأنه "عميد أغبياء العالم". فشلت التكتيكات العسكرية فى المنطقة العربية فتم عزل وزير الدفاع العسكرى (رامسفيلد) وجاء محله رجل بخلفية مخابراتية (روبرت جيتس) ليعيد تفعيل الأسلوب الأمريكى المفضل الذى بدأت به نشاطها فى المشرق العربى منذ الخمسينات حينما ساهمت فى تأجيج أزمة تأميم البترول فى إيران ثم قامت بإجهاضها وحصدت نتائج صناعتها للأزمة وإدارتها وهى إزاحة الإمبراطورية البريطانية القديمة عن الكنز البترولى الإيرانى. الأيام القادمة سترى سقوط رؤوس وتهاوى عروش وغياب ممالك وانفراط عقد شعوب باستخدام أسلوب "النمل الأبيض" بالتفجير من الداخل أو بالعدوان المباشر إن أحتاج الأمر. خريطة منطقة القلب العربى سيعاد ترسيمها ماديا (وهى حاليا مُرسمة افتراضيا). مصر المحروسة ستكون أول من يطالها التشريح والتذبيح. ولا يجب أن ننسى أن للسيد "ريتشاردونى" (السفير الأمريكى فى مصر) خبرات طويلة سابقة فى إعداد مسرح العمليات العراقى قبل السقوط. (على المهتمين مراجعة مقال " ماذا وراء تعيين "ريتشاردونى" سفيرا - توقع سقوط أم تمهيد لإسقاط ؟؟" – ديسمبر 2005).
نلقى بالعبارات والعبرات فى إيجاز وتلخيص لأننا وغيرنا قد سبق إسهابنا ولم يعد هناك المزيد مما يقال. فى استراحة محارب ذهبنا إلى عالم الأدب والتراث، لا فارق بين شرقي وغربي فى نهل العلم والمعرفة المهم هو أن ندرك الحكمة ونأخذها بما لا يخالف عقائدنا وثقافاتنا. والمهم أيضا هو النظرة التى ننظر بها على ثقافة الآخرين وكيف نسقط الحصيلة المعرفية على همومنا ومشاكلنا الداخلية.
كان الحاث هو عبارة وردت فى مقال للأستاذ "السناوى" بالعربى الناصرى مأخوذة من مسرحية "هاملت" لأسطورة الأدب المسرحى "ويليام شكسبير" – "إن هناك شيء عفن فى الدنمرك" – وقام "السناوى" بإسقاطها على المشهد المصرى. لكى تستوعب "شكسبير" جيدا لا تقرأ التراجم الحالية أو النصوص المبسطة حتى لو كانت باللغة الإنجليزية – أبحث عن النص الأصلى، وهذا ما فعلناه ولم نتوقف عند "هاملت" بل تعديناه إلى "ماكبث" و "الملك لير". الحواس مركزة على النصوص الشكسبيرية لكن العقل لا يحوى إلا "هم" الأمة (المصرية العربية الإسلامية)، فكل عبارة واردة أو مناجاة شاردة تجد إسقاطا لها على واقعنا الأليم. وتحقق المثل الإنجليزى: "إن كان لديك مطرقة (شاكوش) فسترى العالم كله مسامير".و يبدو أن العكس صحيح أيضا – "إن كنت مسمارا فستجد العالم كله مطارق (شواكيش) !!!".
فى هذه السلسلة سيتم التطرق لبعض ما جاء فى ثلاثة أعمال لشكسبير، وهم "هاملت وماكبث والملك لير" والإسقاط على قضايا مصرية مصيرية. فمصر هى النموذج الأمثل لكل ما يجرى وسيجرى (قريبا) فى أمتنا الإسلامية والعربية. ونبدأ بتناول ثلاث قضايا فى "هاملت" هم: أسباب اختراق الوعى، وقضية الكينونة والفناء، وأخيرا العلاقة بين فساد الدولة (أو النظام) والمفسدين. أما فى رائعة ماكبث فسيتم تناول "ليدى ماكبث" المرأة الشيطان وهى نموذج تكرر قالبه التاريخى كثيرا فى العصر الحديث وحتى الآن. وفى مسرحية الملك العجوز "لير" سيتم تناول مأساة التوريث، وهو كابوس يعانيه أهل مصر المحروسة ولا يخفى على أحد.
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
1 – اختراق وإختلال الوعى وعودة الإدراك :
الوعى بالشيء هو تميزه وهذا لا يتأتى إلا بحسن التوصيف أولا ثم تصنيفه، وهذا يتطلب أمور ثلاث هم وبالترتيب: حواس (صريحة وضمنية) قادرة على الملاحظة والشعور، وعقل قادر على التصور والحكم، وأخيرا مرجعية حاكمة (ما يرجع إليه للحكم). فإذا ما فقدت الحواس مقدرتها ذهب الوعى من أساسه. وإذا ما لاحظنا وشعرنا لكن عقلنا كان قاصرا عن تصنيف الشيء للحكم عليه لقصور فيه أو لغياب مرجعية كان الوعى مختلا. وإذا ما هدمت المراجع الحاكمة أو تم تشويهها وتزيفها وتم بث الشك والريبة فى المقدرة العقلية لإجراء الحكم والقياس كان الوعى مخترقا (مثل أعمال غسيل المخ). وهذا ما حدث مع "هاملت" بشكل ما – وهذا ما حدث مع الشعب المصرى (أو قطاع كبير منه) (!!!).
يبدو "هاملت" (Hamlet) حزينا مهموما بتنهدات متصاعدة وزفرات متلاحقة وثوب أسود يظهره وكأنه فى حداد، لكنه يصارح أمه "جيرترود" (Gertrude) التى تزوجت عمه "كلوديوس" (Claudius) (بعد مقتل أبيه بأقل من الشهرين) بأن كافة هذه المظاهر لا تظهر حقيقة أعماقه لأنها كلها من صنع الإنسان – فما فى أعماقه لا تقدر المظاهر على محاكاته. وفى مناجاة شخصية يفصح "هاملت" عن حقيقة مسببات هذا الحزن العميق الذى وضعه فى حال من اختلال الوعى (وهذا ظهر فى تصرفاته الغير عاديه التى أرجعها وزير القصر "بولونيوس" (Polonius) لحالة عشقه بابنته "أوفيليا" (Ophelia)، وكما صورها بعض النقاد بتوهمه لرؤية شبح أبيه وهو من محض خياله)، وهذه الأسباب هى حالة اختلال مرجعية القياس والحكم – فما يراه الآخرون وعلى رأسهم "أمه" أمرا طبيعيا يراه هو شاذا غير منطقيا. فعندما يقارن الخلف بالسلف يسقط الواقع، فالملك الحالى (وهو عمه) ليس أكثر من "تيس" بالنسبة لأبيه العظيم والفارق بينهما كبير (شبهه بالفارق بين نفسه وبين هرقل الأسطورى)، وأمه التى يحبها، وكانت تظهر الحب الجارف لأبيه، قد تزوجت عمه (الإمعة بالنسبة لأبيه) قبل أن تشفى مقائيها الملتهبة من الدمع الكاذب الذى ذرفته على جثمان أبيه، وذهبت إلى أحضان زوجها الجديد قبل أن يبلى حذائها (نعلاها) الذى سارت به خلف نعش زوجها ومليكها السابق. ويقول هاملت فى مرارة: "إن الحيوان الذى يفتقر إلى العقل والتفكير لخليق بأن يكون حزنه أعمق وحداده أطول
قضايا مصرية (4)
الإصلاح لن يأتى طبيعيا – إما إجهاض أو قيصرية
* * * * * * * * * *
قبل أن نبدأ …….
شاذ من المثليين النفايات يهاجم حجاب المصريات العفيفات (!!)
بعد سلسلة منظمة ممنهجة من الهجوم على عفة المرأة المصرية وحجابها بأشكاله المختلفة من أبواق مشبوهة أتسع نطاقها ليشمل شخصية نسائية هرطقية مريضة نفسيا، وأخرى أكاديمية مطعون فى مصداقية شهاداتها لغياب أبسط الأساسيات العلمية فى خطابها، وبضع نساء "غير أخلاقيات" يفسح لهن الإعلام المسموع والمرئى رواقه وينشر ثرثرتهن الفاجرة فى فضائه، وهن محسوبات على قطاعى الفن التمثيلى والإعلامى ومعروفات بأشياء نستحى من ذكرها لهول توصيفها وتصنيفها، فأعمالهن منشورة بصفحات الفن والحوادث وسيرتهن مسجلة بأرشيف الآداب والمباحث، وقبل هذا كله (وهو ما يغنى عن التوصيف) فسماتهن فى وجوههن وفحش القول يظهر جليا فى كلامهن. يأتينا هذه الأيام هجوم من شخصية عامة مُسجل "كذكر" فى هويته وهو ليس كذلك فى حقيقته، وهو (رغم أن الضمير "هو" غير ملائما) معروف بثقافته الأجنبية وبشذوذه المثلى الصريح. هذا الشاذ يهاجم حجاب المرأة المصرية المسلمة ويصفه بالإنكفائية (!!) وبأنه يعود بها من "أوربتها" الأصلية (نسبة إلى أوربا) إلى غياهب الجهل والتخلف بمحاكاة العادات العربية الدخيلة (!!).
ولا تعليق .. فهذا ليس غريبا فى دولة تم احتلالها من فئة متمصرة متعددة الجنسية، يلوكون العربية بثقافة أعجمية، جذور انتماءهم هوائية تطير وتحط حيث المنفعة المادية. ومصر المحروسة بلاد العجب، أرباب ساستها وأولياء النعم يشكلون وحدهم عصبة أمم.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد جاء على لسان إحدى المعاديات لفضيلة الحجاب والداعيات إلى التحرر والسفور (الطبيبة "نوال السعداوي") وهى من المحسوبات على فصيل "المتنورين والمتنورات" قولها فى برنامج فضائى عن "اللوطيين والجنس الثالث" (الجزيرة، سرى للغاية ، بتاريخ 2/4/1999): << أتذكر قصة ظريفة جداً حدثت وأنا في "ريودي جانيرو" (البرازيل)، وكنا نرقص في حفلة فنية كبيرة فيها أدباء وفنانين. وكان نفسى أراقص شاعر برازيلي. وأثناء الرقص قال لى لقد انجذبت إلى جزءك الذكري (!).فرديت عليه: وأنا انجذبت إلى جزءك الأنثوي (!)>>. وتدافع السيدة الهرطقية عن الفنانين الشواذ (وهو ما يصب فى صالح هذا الشاذ صاحب تصريح الهجوم على الحجاب) بقولها: << العباقرة والفنانين دائماً يختلفوا عن القطيع (!!!)، إنما الغنم (!!) يمشي كله في صف واحد، فلما تلاقي واحد فنان ومختلف وفيه جزء أنثوي أو العنصر الأنثوي ظاهر فيه يقولون عليه إنه "خنثى">> - ولا تعليق.
كما لا ننسى واقعة قيام سيدة حاكمة (من أصول غير مصرية، على غرار "شجر الدر" الأرمينية) بتحريض المطربة "ياسمين الخيام" (إفراج الحصرى) على خلع حجابها لأنه يؤثر على تناغم وجمال صوتها (!!!)، وبعد فترة أدركت السيدة الفاضلة "إفراج" أخطاءها فعادت لصحيح أحضان حجابها. وتمر السنون (أكثر من عقدين) ومنذ أسابيع قليلة تصادف ظهور الاثنتين فى برنامجين فضائيين منفصلين. ظهرت السيدة "أفراج" بوجه يتلألأ نورا وإشراقا وطمأنينة، أما الثانية "المحرضة" فرغم طبقات المعاجين والألوان المتعددة الصاخبة إلا أن وجهها يشي بسوء حالها وينفر الناظرين لها.
والشذوذ ظاهرة اجتماعية مرضية تم رصدها فى ممارسات فصيل من فصائل القرود، وهذا الشاذ المِثلىّ المنكوب خدم "فضيلة" الحجاب بطريق غير مقصود، فالله (عز وجل) إذا أراد نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود، ولولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف عرف طيب العود. وعفونة وقذارة هؤلاء الشواذ والداعرات حولنا تظهر عفة وطهارة وطيب عود حجابنا.
* * * * * * * * * * * * * * * * * * *
الإصلاح لن يأتى طبيعيا – إما إجهاض أو قيصرية
لم يعد السؤال هو إن كانت "مصر" تحتاج لإصلاح أم لا، فالكل أجمع على ضرورته وإن اختلفت السلطة الحاكمة مع المعارضة الوطنية فى أتساع نطاقه وأولوياته ومقداره وجرعته وفترته الزمنية. السؤال الحيوى بات الآن: هل يحتاج هذا الإصلاح المنشود لعملية قيصرية أم سيتم وأده وإجهاضه أم سيأتى حقيقيا طبيعيا يفرح الكل بميلاده ؟؟. السؤال تم طرحه منذ أكثر من العام والنصف (أبريل 2005) فى مقال(1) "لعبة الدمقرطة فى مصر– الإصلاح ولادة طبيعية أم عملية قيصرية ؟؟"، أى قبل أن يستخدم الأستاذ "هيكل" هذه المصطلحات فى توصيف ولادة نظام يوليو 1952 بأحاديثه على قناة الجزيرة الفضائية فى النصف الثانى من العام 2006.
الإجابة التى نراها وفى تأكيد يقينى هى "لا" !!. لا لن يأتى الإصلاح المصرى السوى المنشود سلسا طبيعيا، والخيارات المحتملة ثلاث: أن يتم وأده كلية أو أن يأتى مسخا "توفيقيا" (!)، وكلاهما إجهاض للوليد المأمول، أو (وهو الإحتمال الثالث) أن تتغلب "الأصالة العربية الإسلامية" على "الخنوع والخضوع والمذلة الموروثين من التراث الفرعونى" فى النفوس المصرية وأن تتولى الأمة زمامها وتحزم أمرها بنيل حريتها وحقوقها وتنتزع مولودها بعملية إصلاح قيصرية.
الإصلاح ببساطة هو الانتقال من حال فاسد دنىّ إلى حال صالح سوىّ بينهما مانع أشد ضراوة من خطوط ماجينو وسيجفريد وبارليف(2)، (!) مليء بالعواقب وينذر بالنوائب، وهو فى الحالة المصرية ليس كموانع المتاريس والألغام بل من جهات وشخوص مجرمين لئام، تماما كمن ينتقل من "ضفة" إلى أخرى أكثر أمانا وسلاما عبر عائق مليء بالمخاطر والعوائق.
المعوقات كثيرة بل أكثر مما نعتقد، تبدأ من رأس السلطة والفئة النفعية (الأولجاركية) إلى قطاع من الشعب (غير قليل) بين جاهل ومغيب بمخدرات سياسية ونعرات زائفة وطنية (شوفينية)، مرورا بمنظومة أمنية فاقت جهاز "السافاك" الإيرانى الشهير فى وحشيتها وضراوتها ولا آدميتها. ويضاف إلى ذلك تكتلات وعصابات من حثالة مجرمين تحالفوا مع المنظومة الأمنية على قطعان الرعية، أولئك خلقتهم السلطة الأمنية ببرجماتيتها وغباءها لتنفيذ أعمالها القذرة. وهناك أيضا عدد ليس بقليل من بعض المنتمين للجهاز الحكومى الذين تحوروا إلى حشرات تعيش وتعشش بين خرائب ودهاليز البناء الهيكلى البيروقراطى وأجادوا أكل خبزهم من معاناة ودماء إخوانهم، هؤلاء نراهم فى بعض المواقع الحكومية وكثير من التنظيمات المحلية (المحليات). وأخيرا وليس أخرا هناك "مافيا" التجار من صغار وكبار الذين يطيحون بالمواطن المنكوب بلا رقيب ولا حسيب فى ضروراته اليومية ومتطلباته المعيشية. ونظرا لقيود الشكل البنائى للمقال الذى يحدّ من التوسع والإسهاب نستعرض النقاط الدالة الآتية:
1 – المنافقون لا يصنعون إصلاحا :
إن أشر خلق الله هم المنافقين ، لا نعرفهم ولكن نعرف سماهم، فهم من يكذبون عند
قضايا مصرية (3)
إدارة أزمة الإخوان بالدفع للانتحار غضباً (!)
* * * * * * * * * *
الكل ثائر والكل ساخط والكل غاضب، وهذا طيب وأمر جيد كمؤشر لحسن تمييز الوضع وإدراك حقيقته وبأنه فعلا توجد مشكلة كبرى هى أقرب إلى "النكبة" من كونها مجرد أزمة. حشود غاضبة تتجمع فى نقاط التقاء مادية (ندوة أو اجتماع فئوى أو أيديولوجى) أو افتراضية (مقال إعلامى أو سجال إنترنتى). والملاحظ دائما أنه وسط الحشود والزحام يندس اللئام، فيروسات بشرية مهمتها الأساسية إفراغ الحديث مما يفيده وعكس "فكرة" الموضوع إلى نقيضه. وفى هذا المشهد المتكرر تتجلى ظاهرتان: الأولى هى "حالة الغضب" ذاتها والثانية نموذج مبسط لكيفية قيام سلطة ما (هى سبب الغضب) باحتواء أزمة ما أو حالة الغضب. والمقصود بأزمة الإخوان فى رأس المقال هى أزمة لسلطة النظام وسدنتها ومن فى معيتها.
1 – الغضب :
الغضب هو شعور إنفعالى نتيجة الإحساس بالظلم والضيم ويخلق نوعا من "الحث" العدائى الذي يبحث عن متنفس يترجم إلى فعل يتسم غالبا بالعنف وقد يوجه إلى هدفه الصحيح (سبب الغضب)، وهذا هو المفترض حدوثه، أو قد يرتد لصاحبه فى انفجار ذاتى (ظُلم فغَضب وكَمد ولم يجدّ متنفسا له فمات بكمده منفجرا)، أو قد يطيش عن مقصده الخارجى إلى هدف آخر تُلقى عليه اللائمة للاعتقاد بوجود علاقة سببية. والنتيجة أن الغضب قد يدفع إلى الانتحار، أو قد يجعل أظافر الضحايا تنهش بعضها وتذبح أهلها وإخوانها بعيدا عن خصمها المقصود وعدوها اللدود، أو قد يدفع المظلومين كقطعان الحيوانات أو أسراب الحشرات نحو كامن مترقب وقاتل مترصد ليسحق عظامهم ويسفك دماءهم ويرد غضبهم فى نحورهم ملتحفا "بشرعية قانونية"، ومهما تمادى القاتل فى قتله وتجاوز فى انتهاكه فلن يُحاسب أو يُلام بدعوي استتاب الأمن والنظام وقل على الشعب الغاضب وعلى "أمل" أجياله القادمة السلام.
الغضب الجماعى يؤدى إلى الحشد، والحشد إن لم يكن منظما يرتد على أصحابه. هل نسى الغاضبون نكسة "سبعة وستين" مع العدو الخارجى (يونيو 1967) أم تناسوا نكبة "سبعة وسبعين" مع الاستعمار الداخلى (يناير 1977) ؟؟؟؟. الأولى نكسة لكونها أصابت "الجدار الخارجى"، ولأن شعب المحروسة بصبره وصموده وبمصريته وعروبته وإسلامه وبقياداته ونخبته قد نجحوا فى تجاوز آثارها، والثانية نكبة لأن نتائج إجهاضها وعواقبها (منها "زيارة القدس") أصابت "القلب والوجدان" (المبادئ الأساسية والمفاهيم)، ولأن الشعب وحده هو الذى اكتوى بنارها ومازال يتجرع مرارة نتائجها وأولاده وأحفاده هم الحاصدون لثمار مقصدها الحقيقى وغايتها الأصلية وهى أن يكون الشعب المصرى "لحوما رخيصة وآلات بشرية وأسواقا استهلاكية فى المنظومة الشرق أوسطية"(1). وكلاهما (سبعة وستين وسبعة وسبعين) كانتا حشودا غفيرة ينقصها الكثير أهمهم: الهدف الواضح والإعداد الجيد والأدوات والوسائل والنظامية والقيادة "الوطنية" التنظيمية، وفوق كل هذا، قراءة جيدة للمتغيرات الداخلية والخارجية.
2 – فن احتواء الأزمة :
الغضب الجماهيرى الجمعى يمثل أعراض "أزمة" للسلطة الحاكمة، رغم أن الشعب ذاته يعيش فى نكبة لا مجرد أزمة (!)، فتراكم الأزمات وإهمالها وإساءة حلها تؤدى بالقطعية إلى نكبة. وقبيل الاسترسال يجب أن يتم الإقرار بحقيقتين هامتين تتعلقان بقمة هرم السلطة المصرية: أولهما أن الجمهورية الثالثة قد انتهت فعليا، على الأقل سريريا، ولكن لم يتم الانتقال الرسمى للجمهورية الرابعة. وهو ما تؤكده شواهد عديدة منها تعاظم صراعات الأجنحة على رأس النظام، ومنها القرارات المتضاربة والتصريحات المتناقضة، ومنها ما يتسرب من أحاديث الصالونات المقفلة، ومنها طبياً حالة (Attitude) رأس النظام التى تظهر فى نوعين اثنين هما الشكلى (Morphologic) والتصرف الفعلى (Verbal). الحالة العامة تظهرها الوعكات الصحية المتكررة المعلنة والمتسربة، و"الشكل" يمكن تميزه بسهولة فى الحالات التى يغيب فيها "الدعم الطبى والتجميلى" المكثف"، والأمثلة كثيرة: منها ما ظهر أثناء اللقاء الصحفى مع المستشارة الألمانية (زيارة المانيا الأخيرة)، ومنها أثناء صلاة عيد الفطر الماضى، ومنها أخير أثناء تفقد حرس الشرف الروسى. أما اللفظى فيظهر فى صدور العديد من التصريحات المرتجلة الغير جيدة والغير حكيمة والتى سرعان ما يتم تنقيحها وإعادة صياغتها ومحاولة تبريرها من قبل أطقم السكرتارية والمستشارين.
فى مقال سابق منذ حوالى العامين نادينا بضرورة وأهمية توقيع الكشف الطبى على فخامة الرئيس لمعرفة صلاحيته ومدى الملائمة لممارسة الحكم، وقلنا أن "الطيار" نظاميا يتم إخضاعه لكشف طبى سنوى لتحديد مدى صلاحيته للطيران، حفاظا على الطائرة التى يقودها والمهمة التى ينفذها، ولذا فمن الأهم أن يتم تحديد صلاحية من يقود شعبا يقدر بخمسة وسبعين مليونا ويتحكم بمقدرات بلد عريق مثل "مصر" يتعدى تأثيرها إلى غيرها (عربيا وإسلاميا).
أما الحقيقة الثانية فهى إن المجموعة الحاكمة الجديدة التى تلعب فى المنطقة الفاصلة بين الجمهوريتين (الثالثة والرابعة) تتميز بمميزات أمريكية وغربية كالتى نراها فى إدارة الجمهوريين فى أمريكا (النمط الأمريكى النيوليبرالى)، مثل الأداء السياسى المتعدد الوسائط (Multimedia) بخلط السياسة مع السينما مع الإعلام وإخراج الأحداث وصناعتها وتأليفها، ومنها الكذب والخداع والتلفيق وقلب الحقائق، ومنها وهو الأهم حسن استخدام التقنية والوسائل والأساليب العلمية لأغراض ذاتية وشخصية وبأساليب برجماتية - و
قضايا مصرية (2)
خيارات الإصلاح فى شتاء ساخن جدا
سقوط خيار السلطة ومؤسسة العسكر
* * * * * * * * * *
قبل أن نبدأ …
نساء فلسطين يصرخن "أين أنتم يا عرب" ؟؟
سُئل "يهود اولمرت" عما سيفعله بعد فوز "حماس" فى الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة وقيامها بتشكيل الحكومة التنفيذية فأجاب: "لن نفعل شيئا (!). نحن نعلم أنهم "نظيفو" اليد (CLEAN) وهو الأمر الذى سيجعلهم في صدام مع مواطنيهم "الفاسدين" (والإشارة إلي ورثة "أوسلو" والمنتفعين المحسوبين على "فتح" وقادة وتجار السلطة الفلسطينية القديمة الذي ورثوا الفساد والبهلوانية السياسية من الإدارة المصرية بحكم الإرث التاريخي وبحكم الجوار). وأردف "اولمرت": ما علينا إلا الانتظار عاما أو بضع عام حتى يقوم "الفاسدون" بإجهاض التجربة الإسلامية الحماسية أو علي الأقل أضعافها".
وحاولت السلطة الفلسطينية بتحالفات مشبوهة، عربية (خاصة من دولتى الجوار، مصر والأردن) وعالمية (خاصة من الدول الأوربية المانحة وأمريكا) إسقاط حماس وإجهاض التجربة الإسلامية ولكنهم فشلوا رغم التجويع والترهيب والإذلال الذى لاقته شخصيات حماس من العرب الأشقاء. وهنا جاء دور إسرائيل .. التى قامت بعمليات إبادة جماعية تجرى الآن فى بلدة "بيت حانون" الفلسطينية (قطاع غزة) باستخدام كتائب المدرعات المدعومة بطائرات الهليوكوبتر والقوات الخاصة. غزة الآن تعتبر أكبر "عشة فراخ" فى العالم نتيجة الحصار العربى الدولى (!!)، وتقوم القوات الإسرائيلية برحلة قنص وصيد ترفيهية بصمت وخرس عربى ومباركة ودولية.
الخسائر الفلسطينية بلغت حتى مساء الجمعة 3 نوفمبر 2006 أكثر من خمسة وعشرين شهيدا ومائة وخمسين جريحا والآلاف من المحاصرين وهدم مسجد "النصر". نسوة فلسطين خرجن حاسرات الرأس عزلا من السلاح، بصوتهن وصراخهن ليدافعن عن المحاصرين المهددين بالقتل. الرصاص الإسرائيلي الجبان لم يرحمهن وانهال عليهن دون تمييز. قتيلتين شهيدتين وأربع عشرة من السيدات مصابات حتى الآن سقطن فى الشوارع وعلى قارعات الطريق. سيدة تصرخ بصوت باك يقطر دما تستصرخ أشقائها العرب .. أين أنتم .. (!؟؟)، أين أنتم يا عرب (!؟؟)… أين انتم يا عرب (!؟؟).
العرب يا أختى ويا أبنتي ويا أمى ويا سيدتى ويا خير نسوة العرب بل وخير من فحولها وأصحاب شواربها وقوامتها لا يسمعون .. صم بكم عمى لا يفقهون. ابتلاهم الله بخرس فى اللسان وصم فى الأذان وغشاوة على الأبصار لمرض سقيم أسمه حكام فاسدين.
صبرا أختى الكريمة صبرا .. صبرا سيدتى الفاضلة صبرا … قريبا من سيجيبك بل أقرب مما يتصورون وتتصورين - وبإذن الله رب العالمين.
* * * * * * * * * * * * * * * *
ثانيا: سقوط خيار السلطة ومؤسسة العسكر(1)
توصيف المشكلة لتصنيفها وتميزها هو البداية لحلها، وما أكثر ما قيل عن "مصر" المنكوبة لا "المأزومة" كما يقولون. فالنكبة هى محصلة أزمات أسيئ تشخيصها وعلاجها وكم ذا بمصر من أزمات أصابت واهن جسدها وفشل أرباب السياسة وأهل الرئاسة فى حلها لفساد فى النوايا ونقص فى المؤهلات وغياب تام للقدرات. الجديد فى التوصيف أن الجماد والطبيعة قد اشتركا مع أهل المحروسة فى غضبهم، معهم وعليهم، فالهواء تلوث والماء تسمم والقطارات الحديدية الجامدة أعلنت احتجاجها بصدامها وحرق نفسها (!) وكأنها تعاقب أناسها من ركابها لمذلتهم وخنوعهم وإطاعتهم من أستخف بهم. "بركة الرزق" توارت وحمرة الخجل تلاشت وذهبت الفضيلة وسادت الرذيلة، وبعد أن كان انتهاك الحرمات وهتك الأعراض مقصورا على قطعان الأمن الحكومى وميليشيات "حزب الحاكم" بتنا نراه مباحا وسداحا مداحا فى قلب العاصمة من غوغائيين وحثالة مجرمين اتخذوا من أربابهم قدوة ومثلا لهم، ولما لا !؟، فالفساد والاستبداد مؤهلات من علا وساد فى زمن الانحطاط، فلما لا يحاكونهم ويتمثلون بهم ويشبعون نزواتهم المريضة بإذلال إخوانهم.
"الغضب هو السمة الغالبة حاليا وهو الدافع لحراك وطنى "ساخن" فى شتاء بارد، سيجعل العام القادم (بإذن الله) هو عام الحسم وعام الخلاص. نراه فى النخبة التى بدأت تعى أين مصلحة شعبها وماهية الخيار الصالح لها، ونراه فى "فورة" شباب الجامعة – أبناؤنا وركائز مستقبل بلادنا – الذين هبوا للدفاع عن أبسط حقوقهم فى عدالة تمثيل أنفسهم فى انتخابات مجالسهم الطلابية الذى يريد الجهاز الأمنى وإدارة الكليات والجامعات الموالين للسلطة تزييفها وتشويهها، ونراه فى انتفاضات "عمالية" أدركت زيف دعاوى "البروليتارية" الإلحادية وعادت لهويتها الإسلامية، واستمدت من دينها وحسن إيمانها قوة مواجهة قيادات مفروضة زائفة تريد الاستمرار فى خداعهم وأكل حقوقهم وتحويلهم لقطعان أنعام يسخرونهم ويأكلون لحومهم نفر من ضوارى لئام. ونراه فى متغيرات إقليمية وعالمية ستؤثر بالإيجاب على مستقبل البلاد. وأى تغيير فيّه صلاح (!)، فقد وصلنا "للصفر" وسالب ما دونه وأى درجة تغيير ستكون بالإيجاب – فليس فى الإمكان أسوء مما هو كائن الآن.
* * * * * * * * * * * * * * * *
1 – مصادر خيارات الإصلاح الأربعة:
جاء فى مقال سابق(2) الحديث وبإسهاب عن "مصادر" الإصلاح الأربعة الممكنة فى مصر وهم: الأول بواسطة السلطة الحالية بحثِّ داخلى أو دفع خارجى، والثانى بواسطة الشعب من أفراده وفئاته ونخبته وأحزابه الذى قد يأخذ شكل القالب التاريخى لأحداث "شتاء يناير" 1977 بعد تحديد الهدف وتلاشى قصور التنظيم وبواسطة قيادات ذات عقيدة إيمانية وقاعدة شعبية مخلصة قوية، والثالث من داخل مؤسسات الدولة على غرار "صيف يوليو" 1952، وأخيرا الرابع (وهو ما نخشاه) من فصيل يؤمن بأشياء ثلاث هم: أننا نعيش أسوء أيامنا وأن البديل لن يكون وبيلا مهما كان، وأنه لا أمل فى إصلاح من مصادر أخرى، وأن إسقاط النظام يكون حتميا إن أسقط رأسه أو خلفه (!!)، وهو خيار "العنف" الذى قد يأتى مكررا "القالب" (Template) التاريخي لأحداث "خريف أكتوبر" 1981 أو أحداث "شتاء يناير" 1952. فالتاريخ كما قلنا (مرارا) قد يعيد نفسه بمفاهيمه المجردة إن توفرت أركانه الأساسية وبيئته الحاضنة (الداخلية والخارجية). وخلصنا بعد التحليل إلى استبعاد خيارين (السلطة والعسكر) واحتمال الآخرين ( الشعب والعنف). وقد جاءت أحداث الأيام القليلة الماضية لتؤكد مصداقية هذا الاستنتاج.
* * * * * * * * * * * * * * * *
2 – سقوط خيار الإصلاح من قبل السلطة الحالية:
ينقسم أطراف الصراع فى المشهد المصرى لف










