قضايا مصرية (2) - سقوط خيار السلطة ومؤسسة العسكر

كتبهاHesham Alnasser ، في 4 نوفمبر 2006 الساعة: 12:35 م

قضايا مصرية (2)

خيارات الإصلاح فى شتاء ساخن جدا

سقوط خيار السلطة ومؤسسة العسكر

* * * * * * * * * *

قبل أن نبدأ …

نساء فلسطين يصرخن "أين أنتم يا عرب" ؟؟

سُئل "يهود اولمرت" عما سيفعله بعد فوز "حماس" فى الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة وقيامها بتشكيل الحكومة التنفيذية فأجاب: "لن نفعل شيئا (!).  نحن نعلم أنهم "نظيفو" اليد (CLEAN) وهو الأمر الذى سيجعلهم في صدام مع مواطنيهم "الفاسدين" (والإشارة إلي ورثة "أوسلو" والمنتفعين المحسوبين على "فتح" وقادة وتجار السلطة الفلسطينية القديمة الذي ورثوا الفساد والبهلوانية السياسية من الإدارة المصرية بحكم الإرث التاريخي وبحكم الجوار). وأردف "اولمرت": ما علينا إلا الانتظار عاما أو بضع عام حتى يقوم "الفاسدون" بإجهاض التجربة الإسلامية الحماسية أو علي الأقل أضعافها".

وحاولت السلطة الفلسطينية بتحالفات مشبوهة، عربية (خاصة من دولتى الجوار، مصر والأردن) وعالمية (خاصة من الدول الأوربية المانحة وأمريكا) إسقاط حماس وإجهاض التجربة الإسلامية ولكنهم فشلوا رغم التجويع والترهيب والإذلال الذى لاقته شخصيات حماس من العرب الأشقاء. وهنا جاء دور إسرائيل .. التى قامت بعمليات إبادة جماعية تجرى الآن فى بلدة "بيت حانون" الفلسطينية (قطاع غزة) باستخدام كتائب المدرعات المدعومة بطائرات الهليوكوبتر والقوات الخاصة. غزة الآن تعتبر أكبر "عشة فراخ" فى العالم نتيجة الحصار العربى الدولى (!!)، وتقوم القوات الإسرائيلية برحلة قنص وصيد ترفيهية بصمت وخرس عربى ومباركة ودولية.

 الخسائر الفلسطينية بلغت حتى مساء الجمعة 3 نوفمبر 2006 أكثر من خمسة وعشرين شهيدا ومائة وخمسين جريحا والآلاف من المحاصرين وهدم مسجد "النصر". نسوة فلسطين خرجن حاسرات الرأس عزلا من السلاح، بصوتهن وصراخهن ليدافعن عن المحاصرين المهددين بالقتل. الرصاص الإسرائيلي الجبان لم يرحمهن وانهال عليهن دون تمييز. قتيلتين شهيدتين وأربع عشرة من السيدات مصابات حتى الآن سقطن فى الشوارع وعلى قارعات الطريق. سيدة تصرخ بصوت باك يقطر دما تستصرخ أشقائها العرب .. أين أنتم  .. (!؟؟)، أين أنتم يا عرب (!؟؟)… أين انتم يا عرب (!؟؟).

العرب يا أختى ويا أبنتي ويا أمى ويا سيدتى ويا خير نسوة العرب بل وخير من فحولها وأصحاب شواربها وقوامتها  لا يسمعون .. صم بكم عمى لا يفقهون. ابتلاهم الله  بخرس فى اللسان وصم فى الأذان وغشاوة على الأبصار لمرض سقيم أسمه حكام فاسدين.

صبرا أختى الكريمة صبرا .. صبرا سيدتى الفاضلة صبرا … قريبا من سيجيبك بل أقرب مما يتصورون وتتصورين - وبإذن الله رب العالمين.

* * * * * * * * * * * * * * * *

ثانيا: سقوط خيار السلطة ومؤسسة العسكر(1)

توصيف المشكلة لتصنيفها وتميزها هو البداية لحلها، وما أكثر ما قيل عن "مصر" المنكوبة لا "المأزومة" كما يقولون. فالنكبة هى محصلة أزمات أسيئ تشخيصها وعلاجها وكم ذا بمصر من أزمات أصابت واهن جسدها وفشل أرباب السياسة وأهل الرئاسة فى حلها لفساد فى النوايا ونقص فى المؤهلات وغياب تام للقدرات. الجديد فى التوصيف أن الجماد والطبيعة قد اشتركا مع أهل المحروسة فى غضبهم، معهم وعليهم، فالهواء تلوث والماء تسمم والقطارات الحديدية الجامدة أعلنت احتجاجها بصدامها وحرق نفسها (!) وكأنها تعاقب أناسها من ركابها لمذلتهم وخنوعهم وإطاعتهم من أستخف بهم. "بركة الرزق" توارت وحمرة الخجل تلاشت وذهبت الفضيلة وسادت الرذيلة، وبعد أن كان انتهاك الحرمات وهتك الأعراض مقصورا على قطعان الأمن الحكومى وميليشيات "حزب الحاكم" بتنا نراه مباحا وسداحا مداحا فى قلب العاصمة من غوغائيين وحثالة مجرمين اتخذوا من أربابهم قدوة ومثلا لهم، ولما لا !؟، فالفساد والاستبداد مؤهلات من علا وساد فى زمن الانحطاط، فلما لا يحاكونهم ويتمثلون بهم ويشبعون نزواتهم المريضة بإذلال إخوانهم.

"الغضب هو السمة الغالبة حاليا وهو الدافع لحراك وطنى "ساخن" فى شتاء بارد، سيجعل العام القادم (بإذن الله) هو عام الحسم وعام الخلاص. نراه فى النخبة التى بدأت تعى أين مصلحة شعبها وماهية الخيار الصالح لها، ونراه فى "فورة" شباب الجامعة – أبناؤنا وركائز مستقبل بلادنا – الذين هبوا للدفاع عن أبسط حقوقهم فى عدالة تمثيل أنفسهم فى انتخابات مجالسهم الطلابية الذى يريد الجهاز الأمنى وإدارة الكليات والجامعات الموالين للسلطة تزييفها وتشويهها، ونراه فى انتفاضات "عمالية" أدركت زيف دعاوى "البروليتارية" الإلحادية وعادت لهويتها الإسلامية، واستمدت من دينها وحسن إيمانها  قوة مواجهة قيادات مفروضة زائفة تريد الاستمرار فى خداعهم وأكل حقوقهم وتحويلهم لقطعان أنعام يسخرونهم ويأكلون لحومهم نفر من ضوارى لئام. ونراه فى متغيرات إقليمية وعالمية ستؤثر بالإيجاب على مستقبل البلاد. وأى تغيير فيّه صلاح (!)، فقد وصلنا "للصفر" وسالب ما دونه وأى درجة تغيير ستكون بالإيجاب – فليس فى الإمكان أسوء مما هو كائن الآن.

* * * * * * * * * * * * * * * *

1 – مصادر خيارات الإصلاح الأربعة:

جاء فى مقال سابق(2) الحديث وبإسهاب عن "مصادر" الإصلاح الأربعة الممكنة فى مصر وهم: الأول بواسطة السلطة الحالية بحثِّ داخلى أو دفع خارجى، والثانى بواسطة الشعب من أفراده وفئاته ونخبته وأحزابه الذى قد يأخذ شكل القالب التاريخى لأحداث "شتاء يناير" 1977 بعد تحديد الهدف وتلاشى قصور التنظيم وبواسطة قيادات ذات عقيدة إيمانية وقاعدة شعبية مخلصة قوية، والثالث من داخل مؤسسات الدولة على غرار "صيف يوليو" 1952، وأخيرا الرابع (وهو ما نخشاه) من فصيل يؤمن بأشياء ثلاث هم: أننا نعيش أسوء أيامنا وأن البديل لن يكون وبيلا مهما كان، وأنه لا أمل فى إصلاح من مصادر أخرى، وأن إسقاط النظام يكون حتميا إن أسقط رأسه أو خلفه (!!)، وهو خيار "العنف" الذى قد يأتى مكررا "القالب" (Template) التاريخي لأحداث "خريف أكتوبر" 1981 أو أحداث "شتاء يناير" 1952. فالتاريخ كما قلنا (مرارا) قد يعيد نفسه بمفاهيمه المجردة إن توفرت أركانه الأساسية وبيئته الحاضنة (الداخلية والخارجية). وخلصنا بعد التحليل إلى استبعاد خيارين (السلطة والعسكر) واحتمال الآخرين ( الشعب والعنف). وقد جاءت أحداث الأيام القليلة الماضية لتؤكد مصداقية هذا الاستنتاج.

* * * * * * * * * * * * * * * *

2 – سقوط خيار الإصلاح من قبل السلطة الحالية:

ينقسم أطراف الصراع فى المشهد المصرى لفريقين أثنين، السلطة الحاكمة الحالية فى جانب ومعها سدنتها والنفعيين المنتفعين بها، والقوى الوطنية المعارضة بأطيافها فى الجانب الآخر. وهناك أطراف ثالثة وبيلة لغيبوبة أو سلبية أو قلة حيلة، وهؤلاء خارج الحساب.

غاية السلطة الحالية هى "دفن نفاياتها السياسية والمالية"، وإستراتيجياتها هى "التوريث" فى المقام الأول أو الوصول إلى "حل توفيقى" فى حال فشله. أما غاية القوى الوطنية المصرية فهى "الحرية"، والتى لن تأتى إلا بآلية الديمقراطية، وهذا يحتاج إلى إصلاح سياسى شامل يتمثل فى محورين أساسيين هما إلغاء القيود والموانع المكبلة السابقة، وإصدار تشريعات تنظم الحقوق والواجبات وتحدد الثواب والعقاب بين مكونات منظومة الدولة.

هذا الحرية تعنى ببساطة "تقويض" وفضح السلطة الحالية وإظهار "نفاياتها" السياسية والمالية، أى أن غاية القوى الوطنية المصرية تتعارض تماما وبالمطلق مع غاية السلطة الحالية.  باختصار فأن دعاوى الإصلاح التى تتسولها المعارضة الوطنية المصرية من السلطة الحالية هى بمثابة طلب رسمى بأن تقتل السلطة نفسها بيديها (!)، أى أن تقوم "بنحر" نفسها، والانتحار "حرام" فى كل الأديان (!!).

فساد نوايا السلطة فى الإصلاح أظهرته المادة الخطيئة (76) من الدستور - الخاصة بانتخاب الرئيس من بين أكثر من مرشح -  التى ألقت القوى الوطنية لوم عوارها على المجالس التشريعية (الشورى والنواب) وهما منها براء، فالأول شورىّ لا إلزاميّ والثانى مقصور وكلاهما عبيد المأمور. نسيت المعارضة الوطنية أن "أصل" التقييد قد جاء من المنبع، أى من فخامة الرئيس ذاته يوم أن أعلن (فى فبراير 2005) عن رغبته فى تعديل المادة وأرفق بها حزمة من سبعة شروط أساسية كضوابط حاكمة، فجاء "الترزجية" بالتوليف والتأليف والمدّ والمطّ لتخرج المادة بشكلها المسخ التى هى عليه الآن والتى لا ولن تتواءم إلا مع مسخ مثلها. وأعقب التعديل ما أعقبه من أحداث لم يأت بها المحتلون عبر قرون من الفرس والإغريق والروم إلى نابليون ومكماهون وشارون (!)، رآها الشعب المصرى والعالم فى أحداث الأربعاء الأسود (25 مايو 2005)، يوم انتهاك أعراض المتظاهرات جهارا نهارا فى الشوارع والطرقات، وفى مذابح الانتخابات التشريعية الدموية التى يهل علينا هذه الأيام أحكام من بقايا الأطهار من قضاة مصر الأحرار فى نقدها وإثبات جرم تزويرها وبشاعة تزيفها.

وفساد نوايا السلطة فى الإصلاح أظهرته تصريحات رأس السلطة الأخيرة بقرار إعادة النظر فى تعديل نفس المادة 76 بغرض تشجيع الأحزاب فى ترشيح ممثلين لها (حسب نص ومنطوق فخامة الرئيس) وهو ما سيترجم إلى مزيد من التضييق على المستقلين (المقصود بهم الإخوان المسلمين)، وهو ما سيؤدى أيضا إلى تكرار مهزلة الانتخابات الرئاسية بمشاركة "ديكوربة" من أحزاب وهمية لا وجود لها إلا على الأوراق الحكومية. ومن العجب العجاب أن بعد أيام من هذا التصريح الإعلامى تجيء تصريحات فخامة الرئيس فى صحيفة روسية وكنصيحة "خبير متمرس" عريق فى الحكم الأبدى (ربع قرن حتى الآن) إلى الشعب الروسى بأن لا يحاكوا الأمريكان فى قصر مدة الرئاسة على فترتين ويجعلوها كما فى مصر أبدية للاستفادة من الألمعية الرئاسية الحالية، وهى مجاملة للرئيس "بوتن" الذى ينزل فى ضيافته الآن فى زيارة أبعد ما تكون عن أهدافها المعلنة (!!!). فالغرض الأساسى من زيارة "روسيا والصين" هو ملف "إيران" وتقديم بدائل عربية لتخفيف تأييد التكتل الأوروأسيوى (معاهدة شنغهاى) لإيران الإسلامية.

* * * * * * * * * * * * * * * *

3 – سقوط خيار الإصلاح من مؤسسة القوة:

بصدور حكم المحكمة العسكرية فى قضية النائب "طلعت السادات" بالسجن لمدة عام بتهمتى "إهانة القوات المسلحة" و"ترويج الشائعات" (حسبما أوردت الصحف)، وبغض النظر عن تصديق الحكم من عدمه من رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبغض النظر أيضا عن رأينا فى السيد "طلعت" نفسه وتاريخه وعائلته وحاضره الغير مشرف، فإن هذا يعتبر تحقيقا لما سبق وقاله المستشار "طارق البشرى" عن ما يسمى بضعف وضمور وتلاشى "الكوابح المؤسسية" فى منظومة الدولة المصرية، وكذا يعتبر تأكيدا لما سبق وقلناه فى مقالات سابقة عن استبعاد تكرار القالب التاريخى لأحداث صيف يوليو 1952 لإحداث تحرك إصلاحى من داخل مؤسسة الدولة صاحبة القوة بسبب تحزيمها وتقسيمها وتأبيد قيادات معينة على رأسها.

ترجمة هذا "الحكم" هو أن المؤسسة العسكرية قد "انزلقت" كطرف فى معارك الصراع سياسى وباتت فى انصياع تام للسلطة الحاكمة ضد دستورها وضميرها الأخلاقي وعلى شعبها وأصبحت أداة ثقيلة على معارضي السلطة الحالية ومخالفيها، وتساوت مع القطاع الحكومى لمؤسسة القضاء الذى تم تسييسها.

الفارق بين مؤسسة العسكر ومؤسسة القضاء أن الأخيرة مازال لديها "رئة" تتنفس بها ممثلة فى أحرار نادى قضاتها.

كان أجدر بالمؤسسة العسكرية أن تربأ بنفسها عن تلك "المسرحية العبثية"، فما قاله "طلعت السادات" هو جزء يسير مما يعرفه العالم وأجمع عليه وبات حقيقة يقينية فى غياب تكذيب أو تحقيق، وقد صدر فى تاريخ السادات المتواطئ وحادثه مقتله مئات المقالات والتحليلات وعشرات الكتب والمجلدات أهمهم وأحدثهم كتاب " لعبة الشيطان(3)" للمحلل السياسى المعروف (فيما يسمى بشئون الإرهاب الدينى العالمى) "روبرت دريفوس" الذى قام برسم صورة شبه كاملة لعلاقة الرئيس الأسبق"السادات" بالدوائر الأمريكية (وخاصة وكالة المخابرات) وللدور الذى لعبته فى تصفيته واغتياله فى 6 أكتوبر 1981.

وهناك كتاب أخر يعد من أخطر الكتب التى صدرت مؤخرا فى الولايات المتحدة الأمريكية وانفرد بكشف أسرار خطيرة وبعبارات صريحة لا تقبل التأويل والقال والقيل حول مشاركة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى اغتيال السادات وهو كتاب "مقدمة للإرهاب"  لمؤلفه "جوزيف جى. ترينتو" الذى سبق له تأليف كتاب " التاريخ السرى للوكالة المخابرات الأمريكية .

وفى هذا الكتاب (مقدمة للإرهاب) يكشف المؤلف عن الشبكات العنقودية الفاسدة التى نشأت داخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على يد عدد من ضباط الوكالة نفسها وباتت تعمل لحسابها الخاص ومن ثم تحولت إلى مافيا أو دولة داخل عالم الـ "سى. آى. إيه"  وهو الأمر الذى أدى إلى انتشار الفساد داخل تلك الوكالة الحيوية كانت نتيجتها الفشل الذريع فى تحديد مخاطر التطرف الأصولى الإسلامى (كما ورد بالكتاب). ويشير الكتاب إلى تحالف تلك الشبكات العنقودية مع عدد من "السياسيين المصريين" الذين كانوا يحتلون مناصب حاكمة حول الرئيس الأسبق "أنور الساداتى" فى مصالح "مال وأعمال" (بيزنس) غير قانونية جاءت نتيجة الانفتاح والتحول المصرى إلى المعسكر الأمريكى وتدفق أموال المعونة الأمريكية وصفقات السلاح وحواشيها (تدريب ودراسات وخلافه) والمشروعات المتعددة بين البلدين.

وفى صراحة تامة يقول الكاتب إن "السادات" قد راح ضحية تحالفات بين جماعة من السياسيين المصريين الفاسدين الكبار الذين التفوا حوله منذ منتصف السبعينيات وباتوا من المقربين إليه من بينهم "قيادات أمنية" كانت مسئولة عن نظام حماية أمنه وسلامته، وقد استغلت تلك المجموعة هذه العلاقة وكونت شبكة فساد ونفوذ ومال وأعمال مع الشبكة العنقودية الفاسدة داخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. ويقول الكاتب أن السادات قد اكتشف هذه العلاقات الفاسدة قبيل اغتياله ببضعة أيام وهو الأمر الذى أصابه بالذهول والإهانة فى نفس الوقت وأتخذ قرار التخلص منهم إلا أنهم كانوا السابقين. أما السيناريو الذى عرضه الكاتب فيتلخص فى أن تلك الشبكة (المصرية الأمريكية) كانت على علم بتفصيلات خطة جماعة الجهاد لقتل السادات، فقررت استغلالها حتى تتخلص منه. كما يذكر الكاتب أيضا أن قرار موت السادات وإقصائه من الساحة السياسية كان قد أصبح مطروحا بقوة على أجندة عدد من العواصم العالمية فى تلك الفترة التى شاهدت تغيرات إقليمية وعالمية حادة لم يعد "للسادات" مكانا، كما جاء الخلاص منه حلا للتملص من مجموعة الوعود (!!) التى ألتزمت بها قوى معينة مقابل طوفان التنازلات التى قام بها "أنور الساداتى" فى حق بلاده وعروبته وعالمه الإسلامى. والسؤال الآن: لماذا لم يستعين "طلعت السادات" بتلك الإصدارات وطوفان التحليلات التى لم يصدر بها تحقيق أو تكذيب وخاصة أننا فى زمن العولمة وعلى وفاق واتفاق بالثقافة الأمريكية الأوربية (كما يقولون).

من أشد الأخطار على أمة عريقة مثل "مصر" هو أن يتم اختراق مؤسستها العسكرية والتلاعب بها عن طريق القيادة السياسية. سبق وأن شاهدنا ذلك فى الخلاف بين القائد السياسى (السادات وأحمد إسماعيل) والقائد العملياتى (الفريق "الشاذلى" وقائدى الجيشين الثانى والثالث) فى حرب أكتوبر 1973 والتى كان من نتائجها "إجهاض" نصر مؤزر كان فى متناول اليد وكان قاب قوسين أو أدنى وكان فيه النهاية المؤكدة للدولة العبرية. قضايا عديدة يعلمها الإستراتيجيون من العسكر حول عودة اللواء "احمد إسماعيل" (رغم تقاعده بعد إدانته فى محاكمة عسكرية) وترقيته لرتبة الفريق وتعينه مديرا للمخابرات فى مايو 1971 (قبيل ما سمى بثورة التصحيح) ثم وزيرا للحربية خلفا للفريق صادق. الغموض حول عمليات تطوير الهجوم يوم 12 أكتوبر 1973 وأعمال التعتيم على أخبار الثغرة وما بعدها وما حولها سينجلى يوما ما.

مؤسسة العسكر فيها الصالح وفيها الطالح كأى مؤسسة أخرى، والجدير بالذكر أن هناك الكثير من العسكر السابقين (المتقاعدين) متورطون فى قضايا الفساد والإفساد، منهم الهاربون بأموال البنوك ومنهم المشاركون فى فضيحة الشركة البريطانية الوهمية "ماليكورب" التى يقدر رأس مالها باثنين جنية إسترليني (2 جنية فقط لاغير) وضحكت على وزارة "الطيران المدنى" التى تعج بالعسكر المتقاعدين المحترفين فى مشروع بناء مطارات مدنية وتسببت فى الحجز على الأموال المصرية فى البنوك الفرنسية، وحصلت على تعويض بمبلغ  13 مليون دولار أمريكى (حوالى 75 مليون جنية مصرى). الجدير بالذكر أن هذا المبلغ كان كفيلا بحل مشكلة "المراقبين الجويين" المصريين الذين قام الوزير الحالى (وهو عسكرى سابق تابع لسلاح القوات الجوية) بقمعهم وقهرهم وتشريدهم. ولكن نقود "مصر" حلال للنصابين والمغامرين وحرام على المصريين – وفى هذا يقول "احمد شوقى" (أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس – كل دار أحق بالأهل إلا فى خبيث المذاهب من كل رجس) – وأصاب "شوقى" فنحن الآن فى " خبيث المذاهب من كل رجس". عموما .. هناك العشرات من الأمثال غيرهم وغير غيرهم ولا إسهاب مؤقتا.

من ألأمثلة الأخرى التى تفضح تلاعب الساسة بالعسكر تظهر فى مذكرات(4) الفريق "كمال حسن على" الذى يروى فيها مأساة التلاعب بجهاز المخابرات المصرى العتيق والعريق. يقول سيادة الفريق أن "السادات" طلب منه بصفته مديرا للمخابرات العامة المصرية مرافقة السيد "حسن التهامى" فى مهمة خارج الوطن وهو (أى التهامى) سيخبره بالتفاصيل أثناء الرحلة (فى صيف 1977)، ولكن "التهامى" لم يخبره بأي شيء حتى وصولهم إلى مدينة أفران، حيث المقر الصيفى للعاهل المغربى "الحسن"  وفيه تم لقاء خاص بين "التهامى" وبين شخصين، عرفهما الفريق "كمال حسن على" لاحقا بأنهما "ديفيد كيمحى" أحد قادة المخابرات الإسرائيلية و "موشى دايان" وزير خارجية الدولة العبرية، بدون حضوره (أو تطنيشه بالمعنى العامى الدارج) أو معرفته للتفاصيل حتى أثناء رحلة العودة. وعندما عرض الأمر على "السادات" فى شبه شكوى كانت الإجابة (كما يقول فى كتابه وبالنص): " انفجر السادات كعادته ضاحكاً حتى كاد أن يستلقى على ظهره" (!!).

هل أدرك القارئ المغزى وراء هذه الرواية (!!؟؟). هل يعلم العسكر ماذا يعنى هذا ؟؟. سواء أكانوا يعلمون أو لا يعلمون فقد سقط خيارهم كمصدر من مصادر الإصلاح السياسى الذى تطمح إليه "مصر" وشعبها، نساءها ورجالها وشبابها وأطفالها.

سقط خياران من الخيارات الأربع لبدء التغيير ومن ثم احتمال حلول "ربيع" الإصلاح وهما خيار الإصلاح من "السلطة الحالية" لأن فى الإصلاح محاسبتها سياسيا وتاريخيا وجنائيا ومن ثم فيه فنائها وحتمية هلاكها. وخيار الإصلاح من "مؤسسة القوة" على غرار تكرار القالب التاريخى لصيف "يوليو 1952" للأسباب السابق ذكرها. ولم يتبق للشعب المصرى سوى خيارين  هما خيار "الشعب ونخبته" بقيادة رشيدة تتمتع بالطهارة والوطنية والمصداقية وغالبية الإجماع الشعبى والنخبوى -  وهو خيار نأمله ونرجوه فهو الصحيح السوى المفترض حدوثه ولكن حسابات القوى الحالية تحاول منعه وإجهاضه -  ولكن هناك مؤشرات وشواهد تؤكد حدوثه قريبا بل واقرب مما يتصور.

والخيار الرابع هو خيار العنف بتكرار القالب التاريخى لخريف الغضب "أكتوبر 1981" أو شتاء "يناير 1952"  وهو أمر وارد إن أستمر جمود الحراك وخمود وخمول البديل . هذا الخيار تزكيه السلطة الحالية بسياستها الأمنية القمعية وقطعان الأمن المركزى  لكافة القوى السياسية وغير السياسية وخاصة ممارستها الوحشية الأخيرة ضد الشباب الجامعى وإصرارها على تزوير الانتخابات الطلابية والانتخابات العمالية. جماعات الجهاد الإسلامية كانوا بضع عشرات ونجحت سياسة الأمن القمعية فى جعلهم مئات وألوف بقمع الأبرياء والتعذيب الوحشى لأقارب وحرمات المأخوذين بالشبهة فكان ما كان – وهذا ما سيكون (!!). إنه ليس فسادا سياسيا فقط، بل وغبيا أيضا … وربنا يستر

وللحديث بقية . . . . . . . . . . . .

هشام الناصر

الجمعة 3 نوفمبر 2006

Alnasser_Hesham_EG@Yahoo.com

(1) جاء البند "أولا" فى مقال سابق بنفس السلسلة "قضايا مصرية" تحت أسم "من الذى أهان مصر !!؟؟".

(2) هشام الناصر - ربيع "مصر" الحائر بين صيف يوليو وخريف أكتوبر.

(3) Devil’s game: How the U.S helped unleashed fundamentalist Islam -  Robert Dreyfuss. Metropolitan Books.2005

(4) الفريق "كمال حسن على" – "محاربون ومفاوضون" - مركز الأهرام للترجمة والنشر 1986.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج