أمن الأمة المصرية - ماذا يحدث غدا ..
كتبهاHesham Alnasser ، في 10 سبتمبر 2006 الساعة: 07:23 ص
أمن الأمة المصرية (1/2)
الأخطار والمخاطر والحماية
* * * * * * * * * *
أولا : أمن الدولة وأمن الأمة – مسئولية حماية أمن الأمة المصرية:
أمن النظم (System Security) بالعموم هو حماية مكوناتها ومصادر قوتها (Assets) اللازمة لاستمرارها وبقاءها وأداء أعمالها وتحقيق أهدافها. والدولة فى مفهومنا العربى (الحالى) وكمنظومة اجتماعية سياسية جغرافية قد تم اختزالها فى سلطتها الحاكمة والتى يعاد اختزالها فى شخص رئيسها أو سلطانها، أى شخصنتها، ومن ثم يتحول المصطلح البراق "أمن الدولة" إلى مجرد حماية السلطة وسلامة حاكمها.
أما "أمن الأمة" فيعنى حماية منظومة جماعة أو جماعات بشرية إنسانية تربطها علاقات معيشية مصيرية تتكامل فيه جغرافية مكانها ومواردها الطبيعية مع تراثها وتاريخها وموروثاتها، ويتعدى فيه واقعها ومفرداتها المادية إلى ثوابتها الدينية والعقائدية، وتتضاءل فيه مصالحها الحاضرة إلى سلامة أجيالها المستقبلية. ومن هنا فالأمة يمكن أن تكون إقليمية (الأمة المصرية) أو قومية (الأمة العربية) أو أممية عقائدية (الأمة الإسلامية).
وقصر الحديث عن أمن الأمة المصرية نظرا لأهميتها ومكانتها. فلمصر المحروسة سمات ثلاثة تجعلها محور وقلب ورمانة ميزان العالم العربى والعالم الإسلامى، وهم رباط شعبها وخيرات أرضها وقوة وبأس جندها. جندها المقاتلون لا قادة جندها المصنوعون الغير مؤهلين (!!)، وفارق كبير بين الاثنين. دور ومسئولية "مصر" ليس ترفا اختياريا بل مصيرا قدريا، لهذا بوركت فى الأديان السماوية وبهذا يكون أمنها وأمانها وقيمتها ومكانتها القومية والعالمية.
الأخطار التى تهدد الأمة المصرية هى كل ما يسبب إيذاءها، من مجرد إزعاجها إلى تدميرها وفناءها أو إعادة تشكيلها، وهم أشكال وأنواع منهم الخارجى والداخلى، ومنهم المادى والمعنوى، ومنهم الغير متعمد والقاصد المترصد. أما المخاطر فهى احتمالات الخسائر والمهالك إن أصاب تهديد الأخطار مقصده. والمخاطر لا تقاس باحتمال التهديد وقيمته بل بقيمة الشيء المهدد وأهميته. وكمثال كمى، إذا كان احتمال تحقيق التهديد بضرب "السد العالى" يساوى 1%، والخسائر المتوقعة (بقياس كمى) فى حال حدوث التهديد تقدر بتريليون دولار، فإن مخاطرة هذا التهديد تقدر عشرة مليار دولار (واحد فى المائة من قيمة الخسائر إن حدث التهديد وتحقق)، وفائدة هذا الرقم أنه يحدد لنا جدوى أعمال الحماية والوقاية لمنع حدوث التهديد. وعندما تكون الأخطار تهدد كيان الأمة بكليتها، فمهما كان احتمالاتها قليلة فإن حاصل ضربها فى قيمة عظمى لا نهائية تكون عظمى لانهائية بالتبعية – ومن هنا تأتى أهمية حماية كيان الأمة.
حماية الأمن المصري هو كافة الأعمال والأفعال والأنشطة والإجراءات اللازمة لإدراك "الأخطار" ومقاومتها ومنعها، ولدرء "المخاطر" المحتملة والمتوقعة، ولعلاج الخسائر فى حال حدوثها وإعادة الأحوال إلى أصلها أو إلى خير منها، والتعلم من دروسها. وهى باختصار رعاية مصالح الأمة وكيانها، أو رعاية مصالح الخلق (طبقا لتعريف ابن خلدون) أى هى "السياسة" ببساطة طبقا للتعريف. ومن المفترض أن تكون مسئولية حماية منظومة "الأمة المصرية" من مهام أهل الرئاسة ورجالات السياسة، ولكن عندما تتحول السلطة (الوطنية) الحاكمة إلى "خطر" داخلى بذاتها يهدد منظومة "الأمة" لفسادها وضعفها وجهلها وعدم تأهيلها، أو بتحالفها مع أعداء منظومة الأمة لخياناتها أو لسوء حساباتها، فإن حماية الأمن المصرى يجب أن يتحول تلقائيا ويُلقى على عاتق كل عضو قادر وكل فرد فاعل من عناصر الأمة وأبنائها برعاية الفقهاء والحكماء ورجال الدين وأهل النخبة، كواجب وإلزام وطنى وكفرض عين دينى عقائدى.
* * * * * * * * * * * *
ثانيا : نظرة من داخل الواقع المصري:
هو عنوان مقال لشيخ المفكرين الوطنين المصرين المستشار "طارق البشرى" وفيه كفانا إعادة السرد والتكرار والبحث عن خيار واتخاذ قرار، حيث قال: لقد تكلمنا بما يكفي وزيادة، واستنفد الكلام غرضه بما وصل إليه من مقررات يكاد ينعقد عليها إجماع من تهمهم شئون بلادهم، ولم يتبق الآن زيادة لمستزيد في هذا الشأن، ولقد ذاع ذلك كله وتناولته الصحف والأحاديث بما صار به علما عاما، "ولم تبق إلا الحركة"، والمطلوب هو تلك الأفعال التي تفضي إلى "الإزاحة العملية" لما هو ضار ومخرب وظالم ومستبد وغير وطني لا يرعى مصالح الجماعة السياسية في يومها ولا في غدها ولا في مستقبلها، ويمكّن أعداءها فيها، ويجعلهم المسيطرين عليها، والحاكمين لها وأصحاب القرار النافذ فيها.
ويؤكد "البشرى" إن ألفاظ الهجوم والكشف والفضح لكل ما هو سيئ وضار وقبيح قد بلغت منتهاها، ثم يكرر مطلبه بضرورة "التحرك العملى" لإزاحة "الخطر الداخلى" بواسطة "فعل القوة" وقوة الأفعال لا بالكتابات والشعارات وحماسة الأقوال، حيث يكرر فى قوله: ولم يعد المطلوب ألا تحقق الأفعال الواقعية التي تفضي إلى "الإزاحة المادية" لكل ما هو رديء وآسن وغير وطني وغير شريف من السياسات والأفعال والوقائع والأوضاع، ويؤكد هذا المعنى أن القائمين على الأمور لم يعد يهمهم ما يقال عنهم مهما بلغ من شناعته.
وينتقل "البشرى" من السوء الداخلى إلى فضائح التحالف مع العدو الخارجى فى قوله: يتبجّح الحكام في هذه الدول بأننا في حلف إستراتيجي مع عدونا الأمريكي الصهيوني، وينعقد المؤتمر الأول "للحزب الوطني" الحاكم في مصر منذ ثلاثين سنة ليضع برنامجا كان في صدر أهدافه في سنة 2003 عبارة "مركزية الهوية الوطنية المصرية التي حفظت للدولة تماسكها"، وهو ما يعني عزل مصر عن المحيط العربي الحاضن لها والمؤمّن لها، ثم بعد ذلك تُتخذ السياسات التي لا تعني إلا العزلة عن حركات التحرر والمقاومة العربية، ثم تُوثق الأواصر مع قوى العدوان الأمريكي الصهيوني.
ما قاله البشرى" لخصناه فى بداية المقال وهى أن السلطة الحاكمة الحالية قد تحولت إلى "خطر" يهدد منظومة "الأمة" بذاتها أو بتحالفها مع أعداءها، ولذا فأن "إدارة الصراع" يجب أن تتحول تلقائيا إلى الشعب وفئاته ونخبته الوطنية كفرض عين دينى وإلزام وطنى مصيرى.
* * * * * * * * * * * *
ثالثا : سيناريوهات الأحداث المستقبلية المصرية – نظرة نقدية :
استطلعت أحدى الصحف المصرية أراء بعض رموز القوى الوطنية حول السيناريوهات المستقبلية المحتملة ونشرتها بمقال تحت عنوان "مصر تنتظر انفجار المهمشين أو إنقاذ الوطنيين"، وقد جاءت الآراء كالآتى: تكرار سيناريو انتفاضة 1977وأحداث الأمن المركزي عام 1986 على نطاق واسع (قطب يسارى). يرتبط الأمر بوقوع حادث كبير أو كارثة طبيعية ضخمة، بحيث يكون ذلك هو المحدد الذي يمكن أن نراهن عليه لحدوث تحول سريع في مستقبل مصر (مفكر قومى). مصر مهددة فعلا بثورة الجياع والمطحونين، والخروج من المأزق سيكون على أيدي قوة وطنية يحتضنها الشعب بقوة؛ بهدف حسم المصير الغامض ووضع حد للسير بالبلاد نحو المجهول (قيادى إخوانى). ومع احترامنا وتقديرنا للآراء السابقة فإنها غير دقيقة وبعيدة بحد ما عن الواقع المصرى، ويمكن تحليلها ورصدها فى النقاط الآتية:
1 – سيناريو تكرار انتفاضة يناير 1977، أو ما أسميناه فى مقال سابق تكرار القالب التاريخى لشتاء يناير 1977، هو خيار مرجو ومأمول نظرا لكونه يمثل إرادة شعبية وصحوة جماهيرية، ولكنه وللأسف غير واقعى ويكاد يقترب من استحالة الوقوع لأسباب كثيرة بدأتها السلطة (السادات) عقب إجهاض انتفاضة 1977 ومازلت مستمرة إلى الآن (مبارك) ويشي بها عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين (وصلت التقديرات إلى بضع وسبعين ألفا – حسب ما جاء فى مؤتمر الحقوق السياسية للمعتقلين السياسيين) وبدون اتهام ورغم تبرئة المحاكم الجنائية لهم من عشرات السنين. والخلاصة وباختصار أنه سيناريو تمنعه وتجهضه حسابات القوى الحالية (قوة وبطش قوى السلطة الأمنية مقابل تشرذم وانتهازية قوى المعارضة الوطنية).
2 – الحديث عن تكرار سيناريو أحداث الأمن المركزى عام 1986 يعنى عدم دقة قراءة ما حدث فعليا فى ذلك الوقت. فالأحداث لم تكن انتفاضة تلقائية بل مفتعلة صناعية شاركت فيها قوى عديدة وتحالفات "غريبة" بهدف تحجيم دور مؤسسة أمنية تحت قيادة وطنية نادرة (الجنرال احمد رشدى). عموما … أحداث العام 1986 وأحداث أخرى مثل أيام 7، 11/12، 16 – 24 أكتوبر 1973 و6 أكتوبر 1981 ستظل خافية ولن تحل طلاسمها إلا فى ربيع الجمهورية الرابعة، ربيع بلا توريث. والخلاصة أن تكرار هذا القالب التاريخي غير وارد وغير فاعل.
3 – السيناريو الثالث مرتبط بمكرمة من الله (عز وجل) يمنّ بها على المتواكلين !. وهو انتظار وقوع حادث كبير أو كارثة طبيعية ضخمة تكون المحدد الذي يمكن أن تراهن عليه القوى الوطنية لحدوث تحول سريع في مستقبل مصر. وهذا سيناريو قدرى تواكلى يمتزج فيه الإحباط مع السخرية ولا يستحق النظر والانتقاد - رغم أنه محتمل فى ظل سلطة الكوارث الحالية.
4 – السيناريو الرابع يصور الاحتقان الشعبى وتصاعد التهديد بثورة الجياع والمطحونين. ويتوقع الخروج من هذا المأزق على أيدي قوة وطنية (مؤسسة القوة) التى سيحتضنها الشعب بهدف حسم المصير الغامض ووضع حد للسير بالبلاد نحو المجهول. وهذا السيناريو قريب إلى حد ما مما سبق وعرضناه فى مقال سابق عن احتمالات الإصلاح المستقبلية وفيه قلنا الآتي: هناك خيارات أربعة لبدء التغيير ومن ثم احتمال حلول "ربيع" الإصلاح. الأول (وهو السلطة الحالية) وهو خيار نراه بعيد الإحتمال فاقد المصداقية حتى لو حدث. والثانى (الشعب ونخبته) وهو خيار نأمله ونرجوه فهو الصحيح السوى المفترض حدوثه ولكن حسابات القوى الحالية تمنعه وتجهضه. والخيار الثالث (مؤسسة القوة من داخل النظام وهو تكرار لصيف يوليو 1952) لن تكون البادئة ولكن ستكون اللاحقة. والخيار الرابع (تكرار خريف الغضب أكتوبر 1981) وهو أمر وارد فى ظل حراك جامد وبديل خامد. الحل الأمثل يكون في تحالف الثانى والثالث (إرادة شعبية وقوة حامية) لإقصاء الأول سبب البلاء ولمنع حدوث الرابع خيار الابتلاء.
يلى الجزء الثانى … أمن الأمة المصرية (2/2) - يحدث الآن ويحدث غدا.
هشام الناصر
الخميس 6 سبتمبر 2006
* * * * * * * * * * *
أمن الأمة المصرية (2/2)
يحدث الآن ويحدث غدا
* * * * * * * * * *
رابعا : ماذا يحدث الآن .. وماذا يمكن أن يحدث غدا .. وكيف ؟؟؟
التوصيف الأمثل لما يحدث على الساحة السياسية فى مصر المحروسة الآن هو شيء أقرب لدسائس القصور ومؤامرات البلاط الملكى. تصريحات وأقوال تكذبها حقائق الأفعال، وتربيطات جانبية واتفاقات خفية واغتيالات أمنية بتلفيقات واعتقالات، وشخوص يتم استحضارها لمهام وادوار آتية (وهو أمر له سوابق تاريخية)، وهناك رموز توأد وتحرق لانتهاء الصلاحية. وقد يكون هذا مباحا فى ظل البرجماتية والانتهازية السياسية فى الشأن الداخلى لكن أن تتعدى الأمور إلى عقد صفقات وإبرام اتفاقات مع العدو التاريخي الطبيعى وأصحاب المشروع الإمبراطوري فهذا يؤكد أنه قد بات لدينا "حصان طروادة" يستلزم ضربه وطرده بلا رحمة ولا هوادة.
مشروعان كبيران لا يخفيهما التحالف الصهيوأمريكي، أولهما العداء الصريح للعقيدة الإسلامية وضرورة القضاء عليها لحماية الكيان الغربى الحضارى، كما جاء فى أطروحات "برنارد لويس" و"بارى لوزان" وصموئيل هنتنجتون" وكما جاء فى تصريحات الرئيس الأمريكى وأعضاء إدارته. وثانيهما هو مشروع تقسيم المنطقة العربية وتفتيتها وإعادة تشكيلها وهو مشروع سبق إعلانه وتحديده بسبعة دول أساسية هم "العراق والسودان ولبنان وسوريا ومصر والسعودية والجزائر" والذى تم إنجاز نصفه حتى الآن، وجارى العمل فى النصف الآخر. ورغم المخاطر التى تتهدد عقيدة الأمة المصرية وكيانها إلا أن النظام لا يستحى أو يخجل من إعلان تحالفه الإستراتيجي (!) مع الكيان الصهيوامريكي – على النحو الذى قاله "البشرى" وذكرناه بعاليه.
من الأفضل استعراض ما يموج به المشهد المصرى من مقدمات الآن واستعراض السوابق التاريخية لقراءة النتائج المتوقعة التى يشى بها السياق. ومن المفيد (والواجب) طرح أفكار واقتراحات لأعمال وأفعال تتخلل هذا السياق عساها تحيده عن مرماه وتفشل مراده ومبتغاه.
1 – خيار التوريث للسلطة الحالية هو أمر حتمى وقرار مصيرى، إنه خيار بقاء أو فناء (!). فالبديل عن التوريث هو الحساب والحساب والحساب وحتمية العقاب.
2 – تقوم الدولة على دعامتين أساسيتين هما "المؤسسة القضائية" المسئولة عن دستورها لإضفاء الشرعية على السلطة الحاكمة، و"مؤسسة القوة" الحامية للدستور أى الحامية لبقاء السلطة.
3 – يذكر لنا التاريخ القريب التطور الدرامى لصعود المستشار "أنور أبو سحلى" الذي عين وكيل نيابة عام 1946 ثم ابعد عن سلك القضاء لانتمائه إلى عائلة إقطاعية تأثرت بقوانين الإصلاح الزراعى، ثم عمل فى شركات "عثمان أحمد عثمان" الذى توسط له (لدي السادات) لإعادته للعمل بسلك القضاء، ثم تولى رئاسة محكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1977 ثم منصب النائب العام عام 1978 ووزيرا للعدل عام 1979، وانتهى بانتهاء السادات. تولى سيادة المستشار مهام قمع كل المعارضين لمعاهدة السلام وكان من ابرز ضحاياه حزب التجمع اليسارى وجريدة الأهالى. ومازال التاريخ يكرر نفسه بقوالب ومفاهيم وإن اختلفت الأسماء.
4 – ويذكر لنا التاريخ استقطاب "السادات" لمؤسسة العسكر فى صراعاته مع معارضيه. أستقطب الجنرال "الليثى" (الحرس الجمهورى) والجنرال "صادق" رئيس أركان مؤسسة العسكر للإطاحة بالفريق "محمد فوزى" وزير الحربية. ثم أستدعى الفريق "احمد إسماعيل" من تقاعده (بعد محاكمته وإدانته فى حادثة استيلاء إسرائيل على موقع رادار الزعفرانة) للإطاحة بالفريق "صادق" بعد الخلاف على طبيعة الحرب (تحريك أم تحرير). ومن الجدير بالذكر أن "السادات" مهد لعزل الفريق "صادق" في أكتوبر 1972 بعزل المؤيدين له ومنهم الفريق "البغدادي" قائد القوات الجوية وترقية اللواء "حسنى مبارك" قائدا لها في 23 إبريل 1972 – وفي هذا الموضوع يقول الفريق "الشاذلي" رئيس الأركان الأسبق: "لقد كان هناك صراع خفي على السلطة بين الرئيس السادات وصادق، وكان السادات ينتظر الفرصة للتخلص منه. ولاشك انه اخذ يعد نفسه خلال عام 1972 لهذا اليوم وربما كان تعيين حسني مبارك قائدا للقوات الجوية هو إحدى الخطوات على هذا الطريق". عموما هناك الكثير مما يقال لكنه خارج عن المقال.
5 – ما فعله "السادات" يتكرر بقالبه التاريخى الآن فى المؤسستين العتيدتين – المؤسسة القضائية ومؤسسة القوة الحامية للشرعية والدستور.
6 - كافة الدلائل تشير إلى استحالة حدوث إصلاح قضائى أو دستورى فى وجود وزير العدل الحالى المعين حديثا لسوابق أعماله فى الانتخابات الرئاسية المصرية ومقدمات أفعاله بعد توليه الوزارة مع نادى القضاء (وهذه شهادة وأراء شيوخ القضاة بنادى القضاء الوطنى المصرى).
7 – مؤسسات الدولة الفاعلة وخاصة مؤسسة القوة تم استقطابها وتقسيمها وفرض سيطرة تامة على أفرادها أمنيا ووظيفيا. يذكر المستشار "البشرى" سعي السلطة للسيطرة الفردية على أجهزة الدولة المصرية، حيث اتبع أساليب سيطرة عديدة، ومنها تفكيك أجهزة الدولة والإدارة وصرفها عن وجوه الأنشطة الموضوعية التي تكونت من أجل تحقيقها، ذلك لأن أي رئاسة لأي جهاز إدارة أو مؤسسة يمكن أن يسيطر عليها ويضغط عليها هذا الجهاز، ويمكنه أن يحاصرها ويجعلها أسيرة له. ويخلص "البشرى" إلى أن الكوابح المؤسسية التي كان من المفترض أن تلجم انطلاق السيطرة الرئاسية الفردية على الأجهزة المؤسسة قد ضعفت وضمرت ثم كادت أن تتلاشى. ولهذا نقول أن كافة الدلائل تشير إلى استحالة قيام مؤسسة القوة المصرية بفعل "بادئ" مستقل يهدف إلى إصلاح سياسى، وإن كان من المؤكد أن يقوم بفعل "تالى".
8 – تجريف الحياة الحزبية المصرية أدت إلى ابتعاد معظم الحزبيين الوطنيين عن العمل السياسى وهجرتهم خارجيا أو داخليا ولم يتبق على الساحة المصرية إلا مجموعة موظفين ديكوريين ونفر من انتهازيين عقدوا تحالفات وأعمال مشتركة مع السلطة الحاكمة (والأمثلة كثيرة وعديدة).
9 – ما يتردد عن قيام السلطة الحاكمة بعقد صفقات واتفاقات مع الأحزاب المصرية الرئيسية يتم بموجبها انتزاع مباركتهم لمؤامرة التوريث واستعداءهم على جماعة الإخوان المسلمين مقابل منحهم مزايا سياسية تتمثل فى أعداد مقاعد محددة فى البرلمان ومجلس الشورى وتمثيل صورى فى انتخابات رئاسية قادمة متوقعة هو أمر قابل للتصديق التام (!!!).
10 – حملة التصفية المنهجية التى يقوم بها الجهاز الأمنى التابع للسلطة ضد البناء التنظيمى لجماعة "الإخوان المسلمين" وضد المؤسسات الاقتصادية المحسوبة علية وضد مكاتب إعلامه وضد كوادره وأفراده وضد سمعته ومكانته – تهدف أساسا لوضع الجماعة أمام خيار من أثنين، قبول "التدجين" ومباركة التوريث ومن ثم يحصل كالآخرين على نصيب من الكعكة السياسية، أو تكسير العظام الذى قد يصل إلى السجن والاعتقال والإقصاء التام بمباركة مؤسسات الدولة القانونية والدينية الشرعية والتجمعات الحزبية.
11 – من دلائل الغياب التام للدور الجماهيرى المصرى ومن ثم استبعاده من قائمة الأخطار التى تتحسب لها السلطة هو ما حدث فى أعقاب رفع أسعار المحروقات (والتى ستؤدى حتميا إلى ارتفاع كافة الأسعار بالتبعية – وهو ما حدث بالفعل) – حيث أعلنت الأجهزة الأمنية حالة الطوارئ ساعة صدور وتنفيذ القرار تحسبا لغضب جماهيرى، ثم ألغت الحالة بعدها بساعات بعدما تبين لها أن الشارع المصرى هادئ تماما وكأن الأمر لا يعنيه ولا يؤثر فيه (!!!).
12 – معرفة الموقف المصرى الآن تستلزم توصيف وتصنيف القوى المختلفة طبقا لمعيار معارضة التوريث وليس معيار قبول التوريث، فالأول يضع القوى السلبية فى سلة الفاعلين والمؤيدين لسيناريو (مؤامرة) التوريث.
13 – يضم فسطاط مؤيدى مؤامرة التوريث شخوص السلطة الحالية وطبقة المال والأعمال المنتفعة ورموز مؤسسات الدولة المستقطبين وقطعان من نسانيس الإعلام وأصحاب الفكر الأمريكي النيوليبرالى والمستفيدين من التطبيع الإسرائيلي ومجموعات بيروقراطية مستفيدة من شيوع الفساد ومجموعات انتهازية محسوبة على الأحزاب الديكورية والمعادين للخيار الإسلامى (بصفته البديل المتوقع) وأخيرا وليس أخرا السلبيين الذين يعيشون ضيوفا فى أوطانهم (!).
14 – يضم فسطاط معارضى التوريث كافة التيارات الوطنية أصحاب العقائدية الفكرية والدينية "الحقيقية"، يستوى فى ذلك أصحاب الخيار الإسلامى والقوميين واليساريين والليبراليين، ومعهم طوفان من الكتلة الصامتة التى لا تهتم كثيرا بالمفردات السياسية ويقتصر همومها فى الأساس على الأمور الاقتصادية، ويضاف إليهم أخير وليس أخرا مئات الآلاف من الثكالى والأرامل واليتامى من أبناء وبنات وزوجات وأباء وأمهات وأقارب عشرات ألوف المعتقلين السياسيين.
15 – من أخطر ما يدور على الساحة السياسية المصرية الآن هو تصوير موضوع التوريث كحقيقة حتمية قدرية لا مراد لقضائها ولا سبيل لرفضها ولا قبل لأحد بردها. وتدور الآلة الإعلامية وتحركات السلطة السياسية فى ترسيخ هذا الانطباع على حساب الاقتناع (!!).
16 – من أهم وأخطر نتائج حرب لبنان هو نجاح قيادة "حزب الله" (السيد حسن نصر الله) فى حل الإشكالية بين التناقضات المفتعلة بين التيارات الوطنية اليسارية والقومية والليبرالية وبين أصحاب الخيار الإسلامى، بإيجاد نقطة تلاقى فى خطاب مشترك عنوانه "المقاومة الوطنية".
17 – صدرت خطابات عديدة فى الساحة المصرية (من ناصريين قوميين ويساريين وليبراليين) تبارك أصحاب الخيار الإسلامى (المتنورين) وتناشدهم بعدم المشاركة فى مؤامرة التوريث وتطالبهم بالحشد والتحرك لإسقاط هذه المؤامرة – وهذا ما نراه نوعا من الإقرار بقوة الإسلاميين والمبايعة السياسية لهم، فلا واجبات ومسئولية بدون تفويض وصلاحية (No Responsibility without Authority). أعقب ذلك إعلان قيادات الإسلاميين وتأكيدهم على مبدأ "الحرية" أولا قبل تطبيق "الشريعة" – وهو الأمر الذى يعنى الكثير وأكثر من الكثير. ومن الجدير بالذكر أن قيادات قومية عربية مخضرمة (مثل السيد "كمال شاتيلا") قد أقرت تماما بخطاب الإسلاميين الجديد واعلنت صراحة عن تأييدهم ومبايعتهم فى مواجهة المخطط الصهيوأمريكي. ولا فارق عملى بين المخطط الصهيوأمريكي وبين مخطط التوريث المصرى.
18 – أزداد بروز جماعة "الإخوان المسلمين" كممثلين مقبولين عالميا وقوميا وإقليميا لأصحاب الخيار الإسلامى وكبديل لأنظمة الحكم العربية الديكتاتورية وتأكيد مكانتهم على الساحة المصرية بالخصوص والعالمية بالعموم لأسباب كثيرة، منها خطابهم المعتدل الأخير والتأكيد على مبادئ الحرية وتقديمها على تطبيق الشريعة، ومنها فاعلية نوابهم فى البرلمان المصرى، ومنها نشاط وقبول ومصداقية كوادرهم الجديدة (أبو الفتوح والعريان كمثال)، ومنها معاناتهم وصبرهم وتحملهم وعشرات آلاف المعتقلين من أنصارهم، ومنها سقوط مصداقية قيادات "الجهاد الإسلامى" فى مصر بعد مسرحية السيد "كرم زهدى" الأمنية، ومنها افتضاح حقيقة بعض مدعى الحرية والعقلانية الكارهين للخيار الإسلامى (مثل السيد رئيس حزب "توتو" المهدد بطرده من حزبه وموقعه)، ومنها (وهو الأهم !!) ظهور أطروحات غربية أمريكية ترى فيهم "الحل الأمثل" لإزالة التناقض بين الإستراتيجيتين المتضاربتين (الحرب على الإرهاب وإرساء الديمقراطية بالعالم العربى) والتى أجادت أنظمة الحكم العربية الديكتاتورية اللعب على هذا التناقض لترسيخ ودوام حكمها وسلطانها بقهر شعبها واستباحه ماله وموارده ومقدراته.
19 – رغم قتامة المشهد المصرى الذي ينذر بأن "ربيع الحرية" بالإصلاح مازال بعيد المنال، إلا أن الحسابات "المشروطة" تؤكد أن هذا الأمل مازال باقيا.
20 – أمام السلطة الحالية خياران هما الاستمرار فى مشروع التوريث بعناد كأمر مصيرى ينجيها من الحساب الحتمى المستقبلى، أو العدول عن هذا المشروع (المؤامرة) ومحاولة إيجاد حل وسيط توافقى يغفر لها ذنوبها ويصفح عن سوء أعمالها.
21 – من الحسابات المشروطة هو قيام القوى الوطنية المصرية بتأكيد مباركة ومبايعة جماعة الإخوان المسلمين كقائدة لتجمع وطنى والتسليم بتوليها مقاليد السلطة فى فترة انتقالية وبمشاركة رموز وطنية غير محسوبة على الإسلاميين، مقابل قيامها بالمشاركة بالقسم الأكبر فى تظاهرة شعبية تعيد تكرار القالب التاريخى لشتاء يناير 1977، وبدون تكرار القالب التاريخى لتدخل الجنرال "الجمسى" القمعى فى وأد الانتفاضة الشعبية (وهذا شبه مؤكد). وتلك هى مسئولية النخبة الوطنية بجهرها بذلك فى مقالاتها، ومسئولية التجمعات الوطنية والفئوية بالإعلان فى خطابها.
22 – أسلمة الصراع الوطنى ضد سلطته الفاسدة المستبدة يتوافق تماما مع دعاوى أسلمة الصراع ضد القوى الصهيوأمريكية – وهو الذى عرفه المفكر الإسلامى "فهمى هويدى" بكونه الانطلاق من العقيدة لتحقيق انجاز وطني ونهضوي لصالح مجموع الأمة- أى دفاعى وقائى – وليس الانطلاق من العقيدة الدينية لفرض التعاليم بالقوة، أو لإعلان الحرب على عقيدة أو عقائد أخرى – أى ليس هجوميا عدائيا. بمعنى إضافة قوة وطاقة الإيمان الديني إلى الشعور الوطني والقومي، وتوظيفهما بالتأثير والفاعلية في الذود عن الوطن وتحقيق أمنه وأمانه والنهوض به من زلاته وسقطاته. ويندرج صراع القوى الوطنية ضد السلطة المستبدة تحت تصنيف حماية منظومة أمن الأمة المصري الذى سبق الإشارة إليه فى هذا المقال.
23 – كما قال أحد شيوخ المؤرخين فإن الانتفاضات الشعبية لا تحدث ثورة. الانتفاضة تحدث زعزعة وخلخلة فى بنيان بناء السلطة الفاسدة المستبدة كحث بادئ اولى يعقبها فعل تبعى تالى من أصحاب القوة وهو الأمر الذى يحقق تعريف الثورة. وهذا ما يتوافق وسابق رأينا فى كون خيار "مؤسسة القوة" ليس قائما بذاته وفى ظل الحالى من قياداته ولكنه قد يأتى مصاحبا ومعقبا لخيار أخر من بينها خيار الانتفاضة الشعبية.
24 – توقيت الانتفاضة الشعبية نراه قريبا، بل اقرب مما نتصور (!!). سيكون شتاء هذا العام صعبا على أهل المحروسة ولكنه سيكون الشتاء القاسى المكفهر الذى يعقبه الربيع الصحى المزدهر.
25 – مازال خيار تكرار القالب التاريخي خريف أكتوبر 1981 قائما، وقد يأخذ شكل القالب التاريخى لشتاء يناير 1952 ، وهو خيار ندعو الله بعدم حدوثه، أو بالأحرى عدم حدوث مقدمات الحقائق التى تدفع إلى حدوثه تلقائيا وإجباريا (!!).
26 – لا شأن لنا بفصيلين أثنين، أولهما المحسوبين على الإسلاميين الذين تحجرت عقولهم عند القرون الأولى ويجهلون فقه الواقع وفقه الأولويات ويفتقدون حكمة تحديد مصالح الأمة المرسلة – فيكفرون الديمقراطية ويعادون الحرية ويفضلون التحالف مع إسرائيل لمقاتلة المذهب الآخر من المسلمين (!)، والثانى هم أولئك المحسوبين على التيارات القومية والناصرية واليسارية والليبرالية ويعادون الإسلاميين ويشككون فى تصريحاتهم وإعلانهم وكأنهم يشقون عن صدورهم. لا شان لنا بهذين الفصيلين لأنهم ببساطة محسوبون على راكبى قطار التوريث.
اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه – وربنا يستر
واللهم بلغت .. فاللهم أشهد
ولعل يكون فى حديثنا بقية …
هشام الناصر
الخميس 6 سبتمبر 2006
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























