حديث فى الأدب (نجيب محفوظ) وقِلّة الأدب (مؤامرة التوريث)

كتبهاHesham Alnasser ، في 17 سبتمبر 2006 الساعة: 05:25 ص

حديث فى الأدب وقِلّة الأدب (1/2)

من "نجيب محفوظ" إلى مؤامرة التوريث

* * * * * * * * * *

1 - بعيدا عن السياسة - "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ وما لم يقله النقاد :

رحل عن عالمنا الأديب الروائي العالمى "نجيب محفوظ" منذ أيام وسبقه بسنوات طوال أستاذ القصة القصيرة "يوسف إدريس". عملاقان كل فى مجاله كانا يتنافسان على جائزة "نوبل" التى حازها "محفوظ" ومات "إدريس" بسببها قهرا وكمدا. مع احترامنا للأجيال الشابة فلا يمكن لأحد أن يجيد تذوق أعمال "محفوظ" إلا من عاش أربعينات المحروسة وتطوراتها إلى نهاية القرن العشرين. قمة المتعة أن تقرأ "لمحفوظ"  فتجد الأحداث حولك تومض والشخوص تتنفس وتنبض فى مسرح الحياة وكأنك من ضمن فريق العمل ومشارك رئيسى فيه. ما تبقى الآن من آثار وذكريات وردت بروايات محفوظ هى أشبة بفلكوريات وديكورات مصنوعة. نعيش لحظات زائفة على مقهى الفيشاوي بحى "الحسين" وبعض ما حولها كمثال ثم يصدمنا الواقع الزمنى والمكانى بالبيئة المحيطة من أشخاص وسيارات وأبنية وألفاظ وعبارات تخرجنا من عبيق الماضى الإفتراضى الذى كنا نحياه وبتنا نتحسر على ذكراه.

يقول النقاد أن "محفوظ"  قد مر بمراحل متعددة أهمها: التاريخية، والواقعية الاجتماعية، والسيكوباتية (النفسية) كما فى رواية السراب عام 1948، وأخيرا الدرامية التشكيلية. هذا التوصيف ليس دقيقا تماما رغم أن المراحل صحيحة التوصيف، فقد بني "محفوظ" عالما بنائيا من تلك المراحل واخذ يجول فيها وينوع منها ويخلط المقادير لعمل توليفات وتوفيقات طيبة المذاق. أروع ما فى "نجيب محفوظ" هو قيامه بتشريح المجتمع المصرى الواقعى المنظور وسبر غور المستقبل الخفى المستور، وهو الأمر الذى ظهر جليا فى روايته الخالدة "بداية ونهاية" التى أصدرها عام 1949 وتحولت إلى فيلم سينمائى لاحقا، سقط سقوطا ظالما غير عادل – لم بكن العيب فى الرواية ولا فى تقنيات الفيلم وشخوصه ولكن العيب كان فى الجمهور المشاهد.

فكرة رواية "بداية ونهاية" وجوهرها ارتبطت بقرار سياسى كان له مردوده الإجتماعى، ألا وهو نجاح "حزب الوفد" فى فتح أبواب "الكلية الحربية" لأبناء الطبقة المتوسطة وعدم قصرها على أبناء الطبقة الحاكمة والفئة الرأسمالية والإقطاعية. لم يكن هذا غريبا (!!) ففى مقولة لأحد كبار العسكريين المفكريين يقول: "أنظر إلى فئة الضباط لتعرف نظام الحكم !!"، رأسمالي إقطاعي (مثل مصر قديما)، ملكى وراثى، بورجوازي (مثل فرنسا)، كافة قوى الشعب (مثل الفترة الناصرية). الضباط يأتون دائما من نسيج الطبقة الحاكمة والفئة المهيمنة على مقادير السلطة.

تتمحور الرواية حول أسرة متوسطة فقدت عائلها الوحيد ففقدت دخلها وأنحدر حالها صوره "محفوظ" رمزيا ببراعة فى انتقال الأسرة من الدور الأول إلى شقة رطبة حقيرة فى البدروم. تتكون الأسرة من أم مكافحة وابنة محدودة الجمال وثلاثة أشقاء هم حسن وحسين وحسنين. عملت "نفيسة" فى مهنة حياكة الملابس ثم فرطت فى شرفها على وعد بزواج وانتهى بها المطاف لتكون داعرة. آثر "حسن" الأخ الأكبر احتراف مهنة الإجرام واكتفى "حسين" بالشهادة المتوسطة ليعمل بها أما "حسنين" فكان طموحاته أكبر وتطلعاته أعظم. نجح "حسنين" وبالواسطة فى الالتحاق بالكلية الحربية ليصبح ضابطا تتلألأ النجوم على كتفيه. أراد "حسنين" الانسلاخ عن طبقته وفئته والتنكر لها، ظهر هذا فى رفضه الزواج من ابنة الجيران السابق الارتباط بها وهم الذين ساعدوا الأسرة فى مشوار حياتهم العسير. تطلع "حسنين" إلى ابنة أحد البشوات كمحاولة للانتماء لطبقة أخرى أعتقد أن البزة العسكرية ستكون جواز المرور إليها. كانت النتيجة هى الرفض وهو الأمر الذى أصابه فى كبرياءه وشرخ فى كيانه. جاءت النهاية الدرامية باكتشاف "حسنين" خطيئة أخته "نفيسة" ولم يجد حلا سوى دفعها للانتحار أو موافقته على رغبتها بالانتحار. وفى لحظات حساب النفس وجد "حسنين" نفسه ضائعا غير منتميا إلى عالم معلوم فلحق بجثة "نفيسة" فى قاع النيل، وانتهت الرواية وأسدل الستار.

"نجيب محفوظ" لم يكن يكتب رواية حالية بل كان يقدم رؤيا مستقبلية (!!؟؟). مئات من أبناء الطبقات الوسطى وحتى الفقيرة فى العهد الناصرى نجحوا فى الالتحاق بالكلية الحربية. البعض أحتفظ بأصالته وانتمائه إلى طبقته أو على الأقل لم يتبرأ منها، والبعض الأخر أنكرها ورفضها واحتمى بالبزة العسكرية كعباءة من ريش طاووسى يلتحف به ديك بلدى أو حتى غراب برى (!!). الصنف الأخير كان وبالا على نفسه وعلى من حوله وعلى من ساقتهم الأقدار ليكونوا تحت حكمه وسيطرته. إنها آفة إنكار الأصل وأن يتبرأ الإنسان من جذوره وأهله وناسه.

الآفة لم تكن فى القرارات السياسية التى حققت "العدالة الاجتماعية" التى بدأها الوفد وأكملها العهد الناصرى وفيه رأينا أبن العامل والفلاح والخفير بجانب أبن اللواء والمدير والوزير، دون تفرقة أو تمييز إلا بالكفاءة والإمكانية الشخصية وليس بالواسطة والمحسوبية. العهد الناصرى جسد ما كان يسمى بتحالف قوى الشعب. لم تكن شعارات دعائية بل تطبيقات عملية. الأفة كانت فى الأخلاقيات وفى موروثات ثقافية مصرية لخصتها أشهر نظرية فى علم المصريات "إيجيبتولوجى" وهو النظرية القائلة أن مصر المحروسة هى أطول وأعرق مستعمرة فى التاريخ (!). هذه النظرية ذكرها "جمال حمدان" فى موسوعته "شخصية مصر" وبررها ولكن لم يفندها. الآفة هى ترسيخ مفهوم العبودية لدى الرعايا وفى محاكاة السلوك الاستعمارى لمن يصادفه الحظ ويقفز لسلطة أو يتبوأ مكانة.

علاج تلك الأفة المتوطنة لن يكون فى الخطب والمقالات والقوانين والقرارات والدراسات الاجتماعية والبحوث الميدانية والتوعية الشعبية. العلاج الوحيد فى العودة إلى الأخلاقيات السوية وإزالة موروثات العبودية المتوطنة فى النفوس والمغروسة فى الرؤوس.  لن يكون ولن يتم إلا بالعودة إلى أحضان صحيح "الدين" وعباءة الإيمان وفى ظلال الشرائع السماوية. العلاج لن يكون من صنع إنسان مهما كان، العلاج يكون فقط فى هدى الرحمن.

وعودة إلى "محفوظ" الذى لم يصور الحياة كلها بكل حالاتها. خارج أوراق رواية "نجيب محفوظ" سنجد "حسنين"  قد نجح فى الزواج من أبنه الباشا ذات الأصول الأجنبية (!) لأسباب لا يعلمها إلا الله. تبرأ "حسنين" من أهله إرضاء لأهل زوجته، واستفاد من دعمهم المباشر والغير مباشر ليترقى ويترقى. الفارق الإجتماعى الكبير تحول إلى عقدة بسبب نظرات دونية كان يتلقاها ويتلقفها بتصريح وتلميح وهو ما دفعه إلى قضاء جل وقته فى وحدته العسكرية. أشتهر "حسنين" بالعمل الدائب فى عمله وبأنه "حمار شغل" كما يقولون. هرب من تسلط زوجته ابنة الباشا إلى عالمه الخاص وسط جنوده ومعداته تاركا لها ولديه الاثنين لتقوم هى بتنشئتهما طبقا لثقافتها وبيئتها وأصل عقيدتها. شب الولدان برعاية تامة من أمهما التى كانت تضارع "ليدى ماكبث" فى طموحاتها. أصبح الأبناء أولاد أمهما لا أولاد أبيهما، وهذا فارق كبير يعرفه المحافظون المصريون. التطور الدرامى "لحسنين" الجديد يحتاج "لمحفوظ" ولكن "محفوظ" قد مات، وللأسف (أو لحسن الحظ) فإننى لست "نجيب محفوظ".

هرم السلطة المصرية الحالى بمستوياته المختلفة يعج ويمتلئ الآن بعشرات ومئات  النماذج من الضابط "حسنين" الذى لم ينتحر فى الرواية ولكنه أنحر من تسلط عليهم وتسلطن فيهم. هؤلاء تنكروا لمعاناة وألام فقراء ومعدمى عزبهم وكفورهم ونسوا وتناسوا أمال وأحلام أهالى قراهم ونجوعهم. نسوا الفلاح الذى تنهش "البلهارسيا" كبده ويحيض دماء فى بوله. نسوا العامل الذى رأيناه (فى إحدى الفضائيات) يناشد فخامة رئيس الجمهورية برفع معاشه الشهرى التقاعدى المبكر الذى أرغم عليه من ثمانين جنيها إلى مائة وعشرين ( من 13 دولارا شهريا إلى 20 دولارا شهريا). نسوا الطالب الفقير والموظف الصغير الذى يتشهد كل يوم فى صباحه قبل أن يركب القطار القشاش إلى مدرسته وكليته وعمله. نسوا سكان المقابر ونسوا الملايين الذين يقتاتون أرجل الدواجن التى كانت تخصص لإطعام الكلاب. نسوا الجميع بما فيه ضمائرهم وتفرغوا للسلب والنهب، لا يهم سوء الإدارة أو الفسق والدعارة، المهم هو ترفهم وخبزهم حتى لو كان بلحوم شعبهم ودماء أهلهم.

هل نلوم حزب الوفد ؟؟؟. هل نلوم القرارات الاشتراكية الناصرية ؟؟. هل نلوم "حسنين" وزوجته الليدى "ماكبث" ؟؟؟. أم هل نلوم "نجيب محفوظ" !!؟؟. اللوم فينا وفى ثقافتنا الموروثة. وبعيدا عن مثاليات المقال نقول كالقطعان:  عاش "حسنين" … وعاشت الليدى "ماكبث" – مادمنا أطول مستعمرة وأعرق أمة "عبيد" فى التاريخ.

لقد هربنا من السياسة إلى الأدب – فأعادنا الأدب إلى قلة الأدب .. أعادنا إلى السياسة.

يلى الجزء الثانى .. عملية الإصلاح فى مصر – حياة شعب وانتحار سلطة (!!) :

هشام الناصر

الخميس 14 سبتمبر 2006

Alnasser_Hesham_EG@Yahoo.com

* * * * * * * * * * * * * *

حديث فى الأدب وقِلّة الأدب (2/2)

من "نجيب محفوظ" إلى مؤامرة التوريث

2 - عملية الإصلاح فى مصر – حياة شعب وانتحار سلطة (!!) :

أسوء وأشرس أنواع الصراعات هو ما يسمى بمباريات المجموع صفر (Zero Sum Game)، مثل مباريات الكؤوس فى كرة القدم، منتصر ومهزوم ولا يوجد تعادل. السياسة كإدارة صراع ليست بهذا التقسيم المنفصل، فالنتائج تأخذ درجات متدرجة من الصفر إلى الواحد أى من الهزيمة إلى النصر. الحالة التى تعيشها "مصر" المحروسة الآن، صراع "الإصلاح السياسى" بين المعارضة الوطنية والسلطة الحاكمة، هى من النوع الأول، أى مباراة المجموع صفر، لا بد من فائز منتصر واحد يكلل بالغار والباقى منهزم مندحر يوصم بالخزى والعار. فتحقيق الإصلاح السياسى الحقيقى الذي يتيح تداول السلطة ويحقق للمؤسسات المنتخبة جماهيريا حقها الشرعى فى الحساب وتوقيع الثواب والعقاب معناه الطبيعى الحياة السوية للشعب (كمواطنين لا رعايا وعبيد سبايا) ومعناه أيضا الانحدار والانتحار للسلطة الحالية.

ماذا نتوقع من أحد رموز السلطة الذى تنامت ثروته "سرطانيا" من بضعة ملايين إلى أربعين مليار فى غضون ست سنوات، أى عشرة آلاف ضعفا (بنسبة مليون فى المائة) ؟؟.  ماذا نتوقع من شخصية صحفية محسوبة على السلطة الحاكمة وبوقاً لها بلغ دخله الشهرى ثلاثة ملايين من الجنيهات ؟؟، وليته اكتفى بهذا الراتب الذي قدر مجموعه بثلاثة أرباع المليار من الجنيهات  فى عقدين من الزمان (750 مليون جنية)  بل تنامت ثروته من ثلاثة آلاف جنيها (فى بداية تعينه) إلى أكثر من ثلاثة مليارات جنيها (فى نهاية عمله) !!. ماذا نتوقع من سلطة أهدرت أكثر من عشرة مليارات جنيها على مشروع أساءوا إدارته أسمه "مشروع فوسفات أبو طرطور" ؟؟، ومشروع أخر خاضوا فيه بعناد (تحت ضغط سياسى دولى للبعد عن التنمية فى المكان المفترض والصحيح وهو "سيناء" لإبعاد الخطر الديموجرافى عن إسرائيل)  أسمه مشروع "توشكى" وخسرت البلاد ما يقارب الأحد عشر مليارا من الجنيهات رغم تحذيرات الخبراء من الوطنيين غير الحكوميين؟؟. ماذا نتوقع من سلطة أضاعت أربعة عشر مليارا من مدخرات شعبها بعد استيلاء المغامرين على قروض البنوك التى أفلس بعضها (بنك القاهرة كمثال) ؟؟. ماذا نتوقع من سلطة باعت ممتلكات شعبها بأبخس الأثمان ؟؟.  ماذا نتوقع من سلطة هتكت أعراض نساءها وبناتها جنسيا وساديا جهارا نهارا فى ميدان عام أسمة ميدان التحرير ؟؟؟. ماذا نتوقع من سلطة اعتقلت عشرات الآلاف من مواطنيها أو قل عبيدها ورعاياها (تراوحت التقديرات من بضع وعشرين ألفا إلى بضع وسبعين ألفا – لا أحد يعلم لغياب المصداقية) وألقت بهم فى غياهب المعتقلات تفعل فيهم ما تشاء وتفجر بهم كما تريد، لسنوات طوال بلغت عشرين عاما رغم عشرات أحكام البراءة لكل حالة ؟؟. ماذا نتوقع من سلطة سادية ضحايا سلخاناتها الأمنية مئات من القتلى المنحورين وآلاف من المعوقين وعشرات الآلاف من المرضى النفسيين ؟؟. ماذا ننتظر من سلطة قام أحد عمالها الساديين (الجنرال الأمنى وخبير الإرهاب الإعلامي "فؤاد علام") بقتل شيخ جليل حافظ لكلام ربه ومطيعا لأوامره ونواهيه (الشيخ السنانيرى) وأدعى انتحاره وهو ناحره ؟؟. ماذا ننتظر من سلطة فسدت وفسقت واتت فى رعاياها وسباياها ما لم يأت به المحتلون على مر السنين ؟؟. القائمة أطول مما يحويها عدة مقالات وتحتاج إلى كتب ومجلدات، والخلاصة انه ليس أمام هذه السلطة إلا الاستقتال للحفاظ على إستمراية سلطتها ودوام هيمنة قبضتها وإلا فالبديل وبيل من حساب شعبها بعد أن نست وتناست حساب ربها.

الحديث عن مخطط التوريث هو حديث عن "قلة" الأدب السياسى لعدم مشروعيته ولتنافيه مع الأخلاقيات السياسية الشرعية. المشهد المصرى العام من أحداث حقيقية ومن بالونات اختبار ومن أراء وأفكار يمكن تلخيصه فى النقاط الآتية:

1 – بالنسبة للنوايا، فكما قلنا سابقا، أن خيار التوريث للسلطة الحالية هو أمر حتمى وقرار مصيرى، إنه خيار بقاء أو فناء (!). فالبديل عن التوريث هو الحساب وحتمية العقاب.

2 – بالنسبة للموقف الحالى فقطار التوريث يسير بمعدل أسرع كثيرا من المخطط السابق له بسبب متغيرات دولية وإقليمية وبيولوجية (!).

3 – تتلخص المتغيرات الدولية فى مشروع الإدارة الأمريكية الجمهورية الحالية وحساباتها الداخلية. هناك محطتان حاكمتان هما انتخابات الكونجرس فى نوفمبر هذا العام وفى الانتخابات الرئاسية العام 2008. من الواضح أن الإدارة الأمريكية قد أنهت ترددها بالنسبة لملف التوريث المصرى وجاهرت بتأييد عناصر الفكر الجديد الذي يمثله "جمال مبارك" – ظهر هذا فى التلقين الذي نطق به الرئيس "بوش" بالثناء على أحد رجالات هذا الفكر الجديد. الارتباط العضوى أو التبعية الصريحة بين مجموعة التوريث المصرية وبين الإدارة الأمريكية بات واضحا فاضحا.

4 – التغيرات الإقليمية ظهرت فى النمو المطرد لخيار "أسلمة الصراع" ضد المشروع الصهيوأمريكى الذى أعاد "حزب الله" والسيد "حسن نصر الله" إحياءه بعد الحرب اللبنانية الأخيرة، واثبت فاعليته وأهميته وجدواه – والأهم هو التأكيد على كونه الخيار الوحيد.

5 – التغيرات البيولوجية تظهر واضحة جلية فى الحالة الصحية لرأس الدولة وما جاء فى تقارير صحفية عن تراخى قبضة السيطرة على بعض الملفات وتنامى الصراعات الشخصية والفئوية والشللية بين أجنحة عديدة داخل كيان السلطة الحاكمة.

6 – نجاح مشروع التوريث يعنى استمرارية الفساد والاستبداد الحالى، ويعنى عدم حساب المخطئين والسارقين والقاتلين ودفن خطاياهم وجرائمهم فى تسويات شرعية ومبررات قانونية، ويعنى وهو الأهم مزيدا من البطش بقوى المعارضة الوطنية وعلى رأسهم قيادات وصرح نادى القضاة والإخوان المسلمين الذين ينتظرهم الحل كحد أدنى والبطش والتنكيل كأمر متوقع. أصحاب الأقلام اللاذعة مثل إبراهيم عيسى وعبدالحليم قنديل سيرافقون "أيمن نور" لتأنيس وحدته وبنص القانون (!!). الهجمة القوية المباغتة التى قادها الإخوان ضد انتهاكات المنظومة الأمنية ممثلة فى كشف فضيحة مقتل الشيخ "السنانيرى" على يد الجنرال الأمنى الإعلامى "فؤاد علام" ستتحطم على منصة قطاع القضاء المهيمن عليه من قبل السلطة (!!).

7 – دعوة "أسلمة الصراع" ضد المشروع الصهيوالأمريكى وضد واقع الاستعمار الداخلى بالعالم العربى ليست خافية على أمريكا والغرب وإسرائيل وجماعة الفكر الجديد فى مصر الذين يقابلون الدعوة بهجمات مضادة تتمثل فى انتقادات وانتقاصات العقيدة الإسلامية فى العالم بالعموم وفى مصر بالخصوص (ممثلة فى الهجوم على جماعة الإخوان المسلمين).

8 – يبدو أن سهم اتهام الإسلام "بالفاشية" من جانب الرئيس الأمريكى "بوش" قد خاب وطاش مرماه لأنه أتى من شخص تم نعته بأنه "عميد أغبياء العالم" (كتاب الأمريكي "مايكل مور"). جاءت هجمة جديدة من شخصية دينية (مثيرة للجدل) وهو "بنديكتوس" السادس عشر بابا الفاتيكان (الطائفة الكاثوليكية). سبق للرجل قيامه بإرسال رئيس مجلس الحوار بين الديانات رئيس الأساقفة البريطاني "مايكل فيتزجيرالد"  إلى منصب ممثل الكرسي البابوي في مصر ولدى الجامعة العربية الأمر الذى تم تفسيره بأنه إبعاد لشخصية دينية بارزة كانت تقوم بإدارة حوار الكنيسة الكاثوليكية مع الإسلام.

9 – خوض البابا فى الشئون الإسلامية "بجهالة" جاء فى اتهامه بان "المشيئة الإلهية" في الإسلام منقطعة عن العقل والمنطق، وترديده لعبارات منقولة عن أحد الملوك البيزنطيين بأن نبى المسلمين "محمد" (صلى الله عليه وسلم) لم يجيء إلا بأشياء شريرة مثل نشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف. تلك أمور نأسف أن نقول أنها أدنى وأحط درجات الجهالة التى تورط فيها الحبر الأعظم "بابا" الكاثوليك، والرد عليها يسير وقد فاضت به أطروحات علماء المسلمين ويبدو أن "بابا" الكاثوليك لا يقرأ أو أنه أساء اختيار معاونيه ومساعديه. ولا نحتاج إلى نقض كتابهم أو كتبهم المؤلفة بأهواء شخصية وأغراض بشرية نقدها الغرب ذاته فى عشرات الآلاف من أطروحاته فى التناقضات الصارخة فيما بينها، وفى التعارض بينها وبين حقائق العلم والتاريخ.

10 – للإسلام رجاله وصناديده الذين يدافعون عنه ويردون الصاع أضعافا. مشاركتنا المتواضعة تتلخص فى بيان مبسط على مدى تأثر الغرب بالحضارة الإسلامية وخاصة فى إشكالية فلسفية شكلت انفصاما حادا فى العقل الأوربي ألا وهى التناقض بين العقل والإيمان، أو ما يسمى بتعارض الفيزيقيا والميتافيزيقيا. تأثر العديد من فلاسفة الغرب بنتائج الدراسات الفلسفية لأبن رشد (المتوفى سنة 1198) وهى دراسات قائمة علي أعمال فلاسفة إسلاميين سابقين مثل الكندى والفارابي وأبن سيناء والغزالي. الكثير من علماء الغرب الذين تأثروا بابن رشد  نجد أمثلتهم فى "دانتي" الذي نعت أبن رشد "بالشارح الأكبر"، وفى القديس الإيطالي "توماس أكويناس" مؤلف كتاب اجمال ألاهوت (Summa Theologica) وفيها تم استخدام كتابات أبن رشد للوصول إلي "مبدأ عدم التناقض بين الإيمان والعقل"، وهي الفكرة التي بني عليها البحث العلمي بين العلماء المسلمين، وتأثر بها علماء الغرب وأدت إلي تفجير عصر النهضة. ولا يمكن لباحث أو مثقف أو عالم إنكار مدرسة فكرية متميزة  تسمي "الأبن رشدية" (Averroism) تأسست عليها العديد من الأفكار الأوربية.

ومن المسائل أو القضايا الأخرى الهامة التى تناولها "الكندى" هو ما يسمى "بنظرية وجود الأشياء" وقيامه بفك إشكالية التسلسل الذى يبدو لانهائيا بين علاقة الشئ وبين المتسبب فى خلقه أو فى المانع لعدم خلقه – وقد تم تناول هذا الموضوع فى مقال سابق تحت عنوان "محاولة للفهم فى الإطار الإيماني".

11 – قضايا عديدة أثيرت على الساحة المصرية فى سياق موضوع التوريث منها: هل التوريث فى ذاته حقيقة واقعية أم وهما تتخيله المعارضة الوطنية – وهذا أمر تمت الإجابة عليه. ومنها كيف تقوم المعارضة الوطنية بإفشال مخطط التوريث، وما هى الوسائل التى تملكها. ومنها ما هو البديل إن نجحت المعارضة الوطنية فى إفشال مخطط التوريث وإسقاط السلطة الحالية. ومنها المفاضلة بين الإخوان المسلمين وبين تجمع اليسار المصرى كبدائل للسلطة الحالية بفرض إسقاط السلطة الحالية.

12 – هناك قطاع ليس بالقليل من المحسوبين على النخبة المصرية قد أعياهم التفكير ووجدوا الحل فى مكرمة من الله عز وجل، أى فى حادث قدرى يكفى المصريين "شر القتال" (!!). منهم مفكر قومى قال: "إن الأمر يرتبط بوقوع حادث كبير أو كارثة طبيعية ضخمة، بحيث يكون ذلك هو المحدد الذي يمكن أن نراهن عليه لحدوث تحول سريع في مستقبل مصر". وهناك كاتب صحفى فى جريدة مستقلة شهيرة كتب يقول: "إن لدى إيمان قوي بأن الذات الإلهية ستتدخل في اللحظة الأخيرة لمنع مخطط التوريث.. حبًا وكرامة لهذا الشعب" (!!). ولهؤلاء أقول لهم قول الفاروق "عمر" (رضى الله عنه) لجماعة من المتواكلين "إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة" ، أو القول المصرى العامى "إن السماء لا تمطر أرغفة ولا فراخا مكتفة" (!!).

13 – إنكار البعض لقوة وفاعلية القوة النووية الإيمانية فى المكنون المصرى أو الاستخفاف بها يماثل تماما استخفاف "ستالين" بقوة المسيحية الأوربية ضد الفكر الإمبراطورى الشيوعى فى قوله: " كم فرقة حربية يملكها البابا ؟؟". ولاحقا سقطت الإمبراطورية السوفيتية بواسطة العقائد السماوية بوسائل مختلفة، منها المجاهدون المسلمون بالقتال فى أفغانستان والبابا "يوحنا" بشحن الجماهير فى دول حلف "وارسو" بروحانيات الإيمان.

14 – هناك حلان محتملان لإيقاف مخطط (مؤامرة) التوريث، أولهما نأمله والثانى نخشاه لكن نتوقعه. الحل الأول هو ضرورة "أسلمة الصراع" مع أصحاب مخطط التوريث وهو الأمر الذى يعنى بالتبعية "تفويض" التيار الإسلامى وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين بقيادة العمل الوطنى (وليس الهيمنة عليه) بصفته صاحب الحضور القوى فى الشارع المصرى والأكثر تنظيما والأقوى قوة وبأسا لشدة الإيمان وقوة الإخلاص ولرصيد طويل معروف من المعاناة فى الذبح والتقتيل والتعذيب بسلخانات الأمن المصرى وهو الأمر الذى يكسبهم شرعية القيادة.

15 – ما تحتاجه "مصر" فى فترة الانتقال (إن تحققت) هما شيئان، عناصر تنفيذية وتكنوقراطية تتسم بالأمانة والنزاهة والطهارة وتخشى الله (عز وجل)، وعناصر تجيد التخطيط والإدارة (ومنها إدارة الصراعات العالمية والإقليمية). كلمة السر عن الإسلاميين هو قناعتهم بالعمل بالآية الكريمة " َاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"، وهو الأمر الذى يعنى ضرورة استعانتهم بأهل العلم الثقاة وما أكثرهم فى مصر المحروسة (عمرو موسى، أبو غزالة والشاذلى، المستشارين زكريا عبد العزيز والبسطويسى، د. يحيى الجمل والمستشار البشرى، اللواء أحمد رشدى، .. ومئات بل ألوف غيرهم – وإن لم يكونوا بشخوصهم  فمن هم على شاكلتهم ومن يوصون بهم، فالطيور على أشكالها تقع والمرء على دين خليله). وجماعة الإخوان لا تستنكف العمل تحت أى قيادة من خارجها مادامت تحقق أهدافها وهما الحرية أولا، وأن يكون الإسلام هو المصدر الأساسى للتشريع فى دولة مدنية وليست ثيوقراطية ثانيا. تلك هى أهداف الإخوان الأساسية بالخصوص وأهداف أصحاب التيار الإسلامى بالعموم وماعدا ذلك من أقوال تقال لهو من التشهير والدجل السياسى الرخيص.

16 – لست إخوانيا (كما قلت سابقا مرارا وتكرارا) وأحسب نفسى من العلميين المتجردين الذين يلعبون دور المراقب للأحداث وتحليلها كواجب شرعى (فى المقام الأول) ووطنى وليس مهنيا أو وظيفيا.

17 – ما يتردد من أحاديث حول نبش ماضى جماعة الإخوان هو نوع من التلطيخ السياسى وكثيره غير صحيح، وكمثال علاقة الإخوان بالسادات لضرب القوميين واليساريين بها مغالطات كثيرة وحقيقتها أن "السادات" أنشا تنظيمات إسلامية موالية يعلمها جيدا من كان بالجامعات المصرية فى ذلك الوقت. أما عن علاقة الإخوان "بناصر" وما مر بها من أحداث متضاربة فمرجعها اختلافات فى الرؤى السياسية فى زمن ضبابى شديد التعقيد، وقد استفادت جماعة الإخوان من هذه التجربة فى إعادة هيكلة تنظيماتها وإحكام السيطرة عليها، ولا يرغب الوطنيون من القوميون الناصريون ولا من أصحاب الخيار الإسلامى فى إعادة فتح هذا الملف (على الأقل الآن). من يريد فتح الملفات يجب أن يكون عادلا منصفا، يوازي بين الإيجابيات والسلبيات.

18 – لقد نادى الوطنيون بالتوافق والتقارب بين المذهبين السنى والشيعى لمواجهه العدو المشترك، ومن الأولى أن ننادى بتوافق وطنى بين كافة التيارات الوطنية المصرية.

19 – حديثنا عن الإسلاميين يتعدى الإخوان المسلمين إلى كل من ينادى بالخيار الإسلامى ويكون مؤهلا له (العمل والوسط كمثال)، وقيادة جماعة الإخوان المسلمين لتحالف إسلامي وطنى قومى لا يعنى تهميش باقى القوى السياسية والتيارات الإسلامية الأخرى.

20 – التشكيك فى نوايا الإسلاميين وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، مع الإغفال المتعمد للمعلن من مبادئ ومنهجية وبرامج عمل، هو نوع من شق الصدور والحكم على النوايا، وهى أمور لا تعرفها السياسة ولكن يجيدها أصحاب دسائس القصور. هناك العديد من الوسائل والآليات لعقد مواثيق الشرف وعقود التحالف والاتفاقات.

21 – مكانة القوى السياسية واستحقاقاتها تخضع لمعايير تقييم علمية وموضوعية لا للأهواء الشخصية أو للأمانى القلبية، منها التاريخ النضالى والمعاناة فى سجون السلطة ومعتقلاتها، ومنها القدرة على الحشد والتصدي، ومنها طبيعة البناء التنظيمى والقدرة على الإدارة والسيطرة، ومنها تأهيل كوادرها وإمكانياتهم، ومنها أخلاقياتها وممارساتها الفعلية، ومنها الرصيد الجماهيرى الكمى والنوعى وانتشاره وتوزيعه، ومنها وهو الأهم المقدرة على الاستمرارية وإمكانية العلاج وإعادة البناء فى حال الفشل أو التعثر (Recovery). تطبيق تلك المعايير يوضح بجلاء من هو الفصيل القادر على قيادة العمل الوطنى أمام سلطة فاسدة استبدادية تملك منظومة أمنية تقدر بفرد امن لكل 16 مواطن (!!) – باعتبار أن المصريين القادرين هم المسجلين بجداول الانتخابات ويقدر عددهم بحوالى 35 مليون مواطن – منهم أكثر من 11 مليون بالخارج، والباقى يواجه بمنظومة أمنية تقدر بمليون ونصف من الأفراد (700 ألف أمن مركزى، 500 ألف باقى أجهزة الشرطة، 300 ألف من العسكر لهم مهام أمنية داخلية) – وهى نسبة يستحيل وجودها حتى فى اعتى الدول الفاسدة الإفريقية أو الإمارات الملكية والسلطانية.

22 – نبش الماضى فى تلك الفترة لن يضير الجماعات الإسلامية بقدر إضراره لباقى القوى السياسية الأخرى، فتاريخ الوفد مليء بالسواد، وتاريخ اليسار غير سار فى التحالف الأممى وفى تلقى الدعم الخارجى حسبما جاء بالملفات  (الروسية والبلغارية والفرنسية) وفى الصراع العربى الإسرائيلي، والتاريخ الناصرى يمتلئ بالنواقص والفظائع كما به إيجابيات، لا ينكرها منصف ولذا لا داعى لنبش القبور الآن (!!)، ومن الأجدى إعادة تقييم التجارب الماضية (لاحقا) للتعلم واستدراك أخطاء الماضى بالتصحيح. كما يجب عدم إغفال تطور التاريخ، فالإخوان الآن ليسوا هم الإخوان زمان، وهكذا الوفديون والناصريون واليساريون. التطور الطبيعى لا يمكن إغفاله وتجارب الماضى لا يجب أخذها إلا للتعلم والتصحيح.

23 – هذا الحل أو معالمه الرئيسية تلقى قبولا واسعا لدى قطاع كبير من النخبة المصرية بما فيهم من قوميين ويساريين، ولا يعارضه إلا المنتفعون من مخطط التوريث والكارهون للإسلام والإسلاميين وكأنهم قتلة أبائهم أو سارقى أقواتهم وميراثهم.

24 – آلية تنفيذ الحل، ببساطة، تتلخص فى الموافقة النخبوية على هذا الحل والمبايعة الجهرية لجماعة الإخوان كممثل للتيار الإسلامى وتقديم كافة أشكال الدعم لها، ثم العمل على الشحن الإيمانى فى نفوس الجماهير، والقيام بانتفاضة منظمة على غرار يناير 1977 (التى فشلت لعشوائيتها ولعدم تنظيمها).

قوة الفكر المصرى المتفق عليه، وقوة الجماهير الشعبية ستدفعان الأمور رغما عنها إلى ما يأمله الشعب بقلوب جماهيره وعقول نخبته الوطنية. التظاهر يكفله الدستور المصرى كحق جماهيرى شعبى للتعبير عن المكنون من آلام وعن المأمول من آمال.

25 – الحل الثانى الذى نخشاه وتلوح نذائره فى الأفق هو تكرار القالب التاريخى لشتاء يناير 1951، أو تكرار القالب التاريخى لخريف أكتوبر 1981، أو شيء على شاكلتهما – وكلاهما محتملان (وقد سبق تناولهما فى مقالات سابقة).

26 – إشكالية التعارض والتناقض بين الخيار الإسلامى وبين الخيار اليسارى أو الليبرالى، هو موضوع جدلى يثير السخرية ويشى بتسييس الفكر وليس تجريده. فالإسلامية ليست عقيدة فكرية لكى تقارن مع اليسار أو الليبرالية، بل هى إطار عام لما يمكن أن نسميه "مدرسة منهجيات" يمكن إسقاطها (تطبيقها) على أرضية يسارية (اليسار الإسلامى) أو ليبرالية أو على أرضية الطريق الثالث الذى ظهر حديثا (الاشتراكية الديمقراطية – أو الليبرالية التى تهتم بقدر كبير بالعدالة الاجتماعية وسيطرة الشعب على موارده الحيوية والإستراتيجية).

27 – أتفق كثيرا مع أصحاب النهج الاشتراكى لقناعتى بأنه يبدو كحل أمثل يتواءم مع طبيعة تركيبة الشعب المصرى الفقير، وفى ضرورة الاهتمام بالعدالة الاجتماعية وامتلاك الشعب لموارده الحيوية والإستراتيجية (حتى من منظور الأمن القومى لطبيعة التهديدات المحيطة). ويبقى السؤال، أين اليسار المصرى ؟؟؟. والإجابة وللأسف نقول أن معظم شرفاء اليسار مهمشون أو من الطفشانين (!!) والعديد ممن يوجدون على الساحة يقوم بتمثيل دور اليسار وهم ابعد ما يكونون عن الوطنية والمصالح المصرية ولا يعملون إلا لمصالحهم الشخصية (وتحالفات الكثير من القيادات المحسوبة على اليسار مع السلطة الحالية فى مصالح المال والأعمال وفى المناصب السياسية معروفة ومكشوفة ولا تحتاج لجهد كبير لإيضاحها وفضحها).

28 – من الأشياء الملفتة للنظر فى الإعلام القومى المصرى هو إتباع سياسة "رجل لرجل" المستخدمة فى تكتيكات كرة القدم. نجد د. عبد المنعم سعيد متخصصا فى الهجوم على المفكر الإسلامى "فهمى هويدى" بالحق والباطل (والباطل أكثر). ونجد مجلة روز اليوسف (التى كانت عريقة) متخصصة فى الهجوم على الأستاذ "هيكل" بجهالة تثير الشفقة عليها قبل السخرية، وفى الهجوم المدمن والمزمن على رأس جماعة الإخوان المسلمين. ونجد متطوعين (معدومى الكفاءة والتأهيل) يتبارون فى تصيد أخطاء جماعة الإخوان والبحث والتنقيب فى تاريخهم وعرضه فى خارج سياقه واتساقه بغرض التشويه. ونجد شخصية مثل "د. سعد الدين إبراهيم" يتخلى عن تجرده العلمى وسابق آراءه الفكرية الليبرالية (التى تصب فى صالح الإخوان كقوة ذات حضور وتأثير فى الشارع المصرى) ويتحول إلى تحالف مريب مع شخصية هامشية (محسوبة على السلطة الحاكمة) كل إمكانياتها هو سلاطة لسانها ضد الإخوان المسلمين. ونجد وللأسف أسماء محسوبة على اليسار تشارك فى هذا الكرنفال الأباحى.

الخلاصة … أن مشروع التوريث هو حقيقة يقينية واقعية يراها الضرير قبل البصير، وهذا المشروع أكبر كثيرا من مقدرة القائمين به وهو وإن تم سيؤدى إلى فوضى لا يعلم عقباها إلا الله، ومن المتوقع أن تزداد شراسة السلطة وزيادة قمعها لتؤكد استحقاقها وهذا نوع من الجهالة السياسية الذى يتصف به معظم إن لم يكن كل القائمين على هذا المشروع. أما الأخطر وهو الأمر الذي يعلمه الإستراتيجيون المصريون فهو مدى خطورة هذا المشروع على "الأمن القومى المصرى"، فلا نتوقع من هؤلاء الأشبال الهواة مقارعة "شيلوك" الإسرائيلي والعم سام الأمريكى وهما من عتاة المجرمين المحترفين.

مصر المحروسة فى طريقها إلى الضياع (!!). وعلى كل من يملك ذرة من شعور وطنى أن يتجرد من أنانيته ونرجسيته ومصالحه الشخصية ويعمل لإنقاذ البلاد. "مصر" تنادى أبناءها المصريين لا المتمصرين، "مصر" تنادى أصحابها الذين لا يملكون أرضا ولا وطنا سواها لا مزدوجى الجنسيات ومتعددى الانتماءات الذين سيرحلون حيث الأمان إن جاء الطوفان (كما حدث فى لبنان)، "مصر" تنادى الإسلاميين واليساريين الوطنيين والقوميين والليبراليين الحقيقيين المحافظين الذين يهتمون بالوطنية والعدالة الاجتماعية وليس بمبادئ النيوليبرالية وأفكار توحش العولمة الكونية. مصر تنادى الشرفاء لا العملاء، مصر تنادى الأقوياء لا الضعفاء، مصر تنادينا يا أهل الرباط ويا أصحاب الخيرات ويا خير جند الأرض – هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم). 

ولعل يكون فى حديثنا بقية …

هشام الناصر

الخميس 14 سبتمبر 2006

Alnasser_Hesham_EG@Yahoo.com

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حديث فى الأدب (نجيب محفوظ) وقِلّة الأدب (مؤامرة التوريث)”

  1. ياجند ألله

    يامن لا تبخل بنزف دمائك ألطاهرة لتوعية شعبنا( شعوبنا) للتمسك بدينهم و حقوقهم

    يالك من جند في سبيل ألله لا ترجو سواء ابتقاء رضيان ألله

    أللهم أدعوك أن تستمر في كرمك بمد ألصحة و ألعافية لهذا ألمناضل لأبتغاء مرضاتك و مرضاة رسولك ألكريم - حتي بذلك أن يستطيع هذا ألمجاهد د. هشام ألناصر أن يري ثمار رسالته قد انتشرت في قلوب شعوبك وأن ينتصر ألحق علي ألباطل - يارب ألعالمين استجب لدعائي أنك مجيب ألدعاء.