نذائر نكبة عربية ومقترح للحل
سيناريو ضرب إيران وإصلاح المنظومة المصرية (1/3)
* * * * * * * * * *
أولا: التاريخ يعيد نفسه. من يلعب دور الشريف حسين في سايكس بيكو الثانية ؟؟؟.
من المؤكد أن التاريخ يعيد نفسه كثيرا بمفاهيمه المجردة ونادرا ما يكون بقيمه المادية الخالصة، والأخيرة (وليست كل المقولة) هي ما ينطبق عليها قول "ماركس" التي يستشهد بها بعض المثقفين: "حينما يبدو كما لو كان التاريخ يعيد نفسه، فإن المرة الأولي تكون حقيقية والثانية تكون حماقة". فالأحداث التاريخية تتكرر كثيرا في أنماط أقرب إلي "قوالب" قد يتغير شكلها الخارجي ولكنها تتقارب في مضمونها الجوهري. فالقالب الدرامي لمقتل "هابيل" علي يد "قابيل" تكرر مئات الألوف بل ملايين المرات في أحداث التاريخ ومكوناته، وقالب أحداث الغزو العثماني لمصر المملوكية تكرر ألوف قبلها ومئات بعدها. قابيل وهابيل وسليم الأول وقنصوه الغوري هم قيم مادية (Values) تتغير ولكن القالب التاريخي يتكرر.
العلماء هم من يأخذون "موزايكو" الأحداث المتناثرة ويدرسون كيفية تكوين "صورة" ما، ثم من مجموعة الصور كيفية تكوين "المشهد"، ومن المشاهد كيفية تكوين "السيناريو" وهو الذي يشكل مع مقدماته وتفاعله ونهاياته ما يحدث في التاريخ، أو قل التاريخ ذاته. إنها عملية إدراك "الجزيئات" ثم تركيبها في السياق والاتساق لتكوين "المكون الأكبر".
أمتنا العربية الآن تعيش نفس إرهاصات أحداث "سايكس بيكو" ما بعد الحرب العالمية الأولي. فما هو الذي سيتم تقسيمه وإعادة تشكيله، ومن هو الذي سيقوم بالتقسيم، ومن هو الذي سيلعب دور الشريف "حسين" وأولاده ؟؟؟. إنه سؤال ليس في صورة استفهام (!)، فالكل تقريبا يعرف الجواب ويدرك المراد، وهو (أي السؤال) ليس عبثيا بل يأتي لشحذ التفكر وحث التدبر بغية إيجاد التماثل وقياس التناظر بين ما حدث في الماضي ونتائجه الكارثية وبين ما يحدث في الحاضر وعواقبه المستقبلية.
المثير في الأمر أننا لم نعد نحتاج إلي جهد كبير لتجميع "موزايكو" الأحداث وتجميعها وصولا إلي السيناريو المتوقع كما كان يحدث قديما، ويعود الأمر في ذلك لأسباب ثلاث، أولهم ثورة الاتصالات ونضج الإعلام الفضائى وتعاظم ثقافة الإنترنت، والثاني هو "فجور" الكيان الإمبراطوري الجديد الذي يجاهر بعقيدته (الدينية والفكرية) وبنواياه (إستراتيجياته) وبخططه ومخططاته، بل ويتمادي في الإفصاح عن تطبيقاته وتكتيكاته في أعمال مرحلية ومشروعات جزئية، فلم نعد نحتاج إلي ثورة بلشفية أخري لتفضح مؤامرة "سايكس بيكو" الثانية. أما السبب الثالث فهو في تسارع وتيرة الأحداث وتقارب وقوعها ومن ثم لا يكتمل زوال أثار السابقة حتى تأتينا اللاحقة، وفي وضوح التتابع والتسلسل الذي يبدو "ممنهجا" منظما وكأننا أمام سيناريو أحد أفلام الرعب والإثارة ثلاثية الأبعاد في قاعات السينما أو علي الفضائيات.
* * * * * * * * * * * * *
ثانيا: انتهاك العقل وعودة الإدراك.
ويبقي السؤال .. لماذا لم ندرك حقائق ما ينتظرنا رغم هذا الطوفان من الدلائل الواضحة والمشاهد الفاضحة ؟؟؟. هل وصل بنا هذا المدي من اختلال في الإدراك لمرض في العقل وانتهاك ؟؟. الإجابة وبدون تفاصيل لأننا تعرضنا إليها كثيرا هي "نعم" - لقد تم اختراق عقولنا بتشويه رموزنا وتسفيه المبادئ والثوابت وإفقادنا الهوية وتأجيج الصراعات بين الانتماءات الوطنية والقومية والأممية، أما الأخطر فهو ما جاء من رد أسباب قوتنا (من عقيدتنا) في نحورنا وجعلها سلاحا علينا لا لنا. جعلوا "العقيدة" سياجا وأشواكا تحمي الولاة والسلاطين حتى لو كانوا بمقياس "السياسة" (من نتائج إدارة الصراعات وحل النزاعات وخير العباد وسلامة البلاد) غير موفقين أو غير صائبين أو غير قادرين أو غير مؤهلين.
من رحمة الله عز وجل أن النكبات قبلما تحصد الرؤوس وتذل النفوس تسبقها أزمات، والأزمات تسبقها نذائر، والنذائر تحتاج لمن يوصفها ويصنفها ومن ثم يفسرها ليَعلم ويُعلم البسطاء وأنصاف الجهلاء مآلها ومثواها وعواقبها ومنتهاها. قد ينجح المدلسون في علاجات شكلية وإصلاحات وهمية، تماما كأسلوب استخدام "الأسبرين" في أمراض الحمي، فقد يشفي المريض بلطف من الله وأمره فإن مات فقضاء الله وقدره، ناسين هؤلاء مدعىّ الجبرية أن القدر هو ما ليس من فعل البشر، وأن النتائج الربانية لا تعفي من الأخذ بالأسباب كمسئولية، ولذا جاء الحساب من ثواب وعقاب.
قد يصلح "الأسبرين" في علاج الصداع والآم الأسنان ولكن لا يصلح في حال أورام السرطان ؟؟؟، عندما تستفحل الأورام ويسوء الحال فلا علاج ولا دواء إلا الاستئصال.
نزعم أن "الوعي" والإدراك العربي قد عاد جديا بعد سقوط العراق في العام 2003. الوعي بمدى هشاشة وزيف النظم الحالية، وفي سقوط نظرية "المستبد العادل" هذا إن كان عادلا، وفي النفاق الكهنوتي في استخدام الآية الكريمة "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم" وهي مقولة حق يراد بها باطل مادام "الوالى" قد أتى زيفا وزورا وقهرا، وفي إدراك أن الشعوب فقط هي التي تدفع الثمن دائما من أمنها وسلامة بلادها. وفي إدراك أن العقيدة والهوية هما المستهدفان ثم يأتي بعدهما موارد البلاد وشعوبها. أما الأهم فهو الوعى والإدراك معا بأن أمن وسلامة أولادنا وأحفادنا ومستقبل أجيالنا يجب أن تبدأ "تكلفته" من الآن وإلا أبتلينا بمعاناتهم وآلامهم ولعانتهم في كل زمان (!).
* * * * * * * * * *
ثالثا: مصر في أزمة وهي الحل الوحيد للنكبة :
أمتنا العربية علي شفير فناء، هذه حقيقة واقعية وليست مبالغة لفظية أو عبارة مجازية، وخاصة بعدما اتضحت النوايا الصهيوأمريكية في ضرب إيران الإسلامية وإتمام إعداد المخططات العملياتية (Operational) وتحديد وقت التنفيذ (سيتم عرض سيناريو الحرب تفصيلا). إنقاذ الأمة العربية لن يتأتي إلا بإنقاذ كبشها و"رمانة ميزانها"، وهي "مصرنا المحروسة" التي تم اختطافها أولا منذ السادس عشر من أكتوبر 1973 (!!) – وليعد المؤرخون والمهتمون بالتدقيق والتفصيل إلي ماذا حدث في ذاك اليوم المشئوم، من المصادر العربية (هيكل والشاذلي) ومن وثائق وأرشيف الدول الكبري (تحقيقات الجزيرة الفضائية) ومن الموسوعات العالمية ومن (وللأسف) الوثائق الإسرائيلية، وليعودوا (وهو الأهم) إلي الواقع المادي الملموس والناتج المحسوس (!) بالقياس الكمي والتقدير النوعي مسترشدين بمرجع قياسى حاكم فإن لم يكن فبالمقارنة الثنائية مع نماذج محلية أو إقليمية أو عالمية. قد نختلف أو نتفق علي تاريخ الاختطاف، فالبعض يرجعه إلي فجر السابع من أكتوبر 1973 والبعض يرجعه إلي تاريخ زيارة القدس 1977 والبعض يرجعه إلي تاريخ معاهدة السلام 1978 والبعض يرجعه إلي العام 1991 (المشاركة في حرب تحرير الكويت وإعطاء الشرعية للقوات الأنجلوأمريكية)، المهم هو الاتفاق علي الاختطاف ذاته بغض النظر عن ميقاته (وهو الأمر الذي أشار إليه "هيكل" في حديث له منذ أيام).
"مصرنا المحروسة" يبتليها الله عز وجل بكوارث متتالية كنذائر تحذيرية لنكبات مستقبلية لعل أهلها يبصرون ويتبصرون ويستبصرون، فإن ظلوا علي غيهم يعمهون فهم الفاسقون ولأنفسهم يظلمون. "مصرنا المحروسة" ابتلاها الله بأكثر من مائة ألف ضحية في الربع قرن الأخير ما بين قتيل وجريح ومعتقل وأضعافهم من اليتامى والثكالى، في حوادث إهمال وفساد وسائل المواصلات فقط. حوادث المواصلات وحدها دون غيرها وفي الممارسات الأمنية لقانون الطوارئ المسلط علي الرقاب منذ ربع قرن من الزمان (من 20 إلي 25 ألف معتقلا سياسيا). ابتليت مصر بحوالي 27 ألف مصابا في السنوات الست الأولي من الألفية الثالثة في حوادث القطارات وحدها وهي وسيلة الفقراء (6 آلاف قتيلا و21 ألف جريحا) ويضاف إليهم ألف قتيلا في فاجعة غرق العبارة مصرية الأخيرة منذ أقل من العام ليرتفع رقم الضحايا إلي 28 ألف مصابا (7 آلاف قتيلا و21 ألف جريحا) أي سبعة أضعاف الخسائر اللبنانية في جولة الصراع العربية الإسرائيلية السادسة.
مائة ألف مصابا عدا ملايين الجائعين وعشرات الملايين من المرضي نفسيا وعضويا ومن العاطلين المعطلين ومن المحرومين عاطفيا (أهل العنوسة) ومن المقهورين كمدا وغمدا من طوفان الفساد الذي عم البلاد، ومن آلاف الموتى الأحياء أو الأحياء الموتى الذين انتهكت حرماتهم وشرفهم وحرماتهن وشرفهن في سلخانات المنظومة الأمنية، وهذا بإغفال مئات المليارات المنهوبة نقدا وعينا من موارد البلاد والملكية العامة للعباد (وهي قد فاقت التريليون).
خسائر مصر من المال والأفراد في ربع قرن من السلام تعادل أضعاف خسائرها في أربعة حروب وعبر ستة عقود. هذا عن النواحي المادية بدون حسابات خسائر سياسية أخري قد لا يهتم بها المواطن البسيط مثل تدني مكانة مصر الإقليمية والعالمية وتداعياتها.
* * * * * * * * * *
رابعا: وما هو الحل ؟؟ …
قبل الحديث عن الحل وتفصيلاته يجب أولا إدراك طبيعة الحالة الراهنة وضرورة التحدث عن السمات الضرورية لهذا الحل. بالنسبة للحالة الراهنة فهي قد تجاوزت صفة الأهمية والخطورة إلي حافة الكارثية وهو الأمر الذي يجعلها ومن المؤكد "نقطة تحول" (Turning Point) إلي الأسوأ في مصير الأمة ككل. أما بالنسبة للحل ذاته فيجب أن تتسم سماته بالآتي:
1 – الحل يجب أن يكون مصريا، فهذا وقبل أن يكون واجبا (عقائديا وقوميا) فهو ضرورة لأننا أول المستهدفين، ونحن شئنا أم أبينا أصحاب الريادة وأهل القيادة. ودور مصر إن لم يكن بالعمل والمشاركة بالإيجاب لصالح الأمة فعلى الأقل لا يكون بالمشاركة ضدها.
2 – الحل يجب أن يتناسب مع طبيعة بنائية المنظومة المصرية التي تُختزل إداراتها بحكم موروثاتها في قمة رأسها، وأي إصلاح بعيدا عن الرأس سيكون كاللهو والرقص ونوعا من الترقيع وضربا من التسكين.
3 - الحل يجب أن يكون سلميا، فالدماء تجلب دماء والعنف قرين البلاء.
4 – الحل يجب أن يحظى بأغلبية الوطنين الثقاة وهم معروفين كجماعات وشخصيات وتيارات وأن يأتي أولا عن قناعة نخبوية وسياسية ومؤسسية. وثانيا عن إجماع شعبي يجاهر فيه ويطالب به. وثالثا عن قناعة السلطة الحالية والعمل به في سلام. ورابعا إن لم يتحقق ثالثا يكون الحل في التظاهرات والاعتصام وصولا إلي العصيان المدني العام.
ولا يمكن أن يتم ذلك إلا ببلورة الموقف العام الناشئ عن مجموعات من المحددات في المشهد الخارجي (العربي والعالمي) التي تتناثر مفرداته، وفي المشهد المصري الداخلي الذى يتم التدليس علي حقائقه ومكوناته، وتمحيص هذا كله واستيعاب مدي خطورته وتأثيره، فإن تم هذا ولاقي الإجماع فهذا هو نصف الطريق إلي الحل.
وللحديث بقية … يلي توصيف المشهد الخارجي وسيناريو الحرب القادمة (ضرب إيران).
هشام الناصر
الخميس 24 أغسطس 2006
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
نذائر نكبة عربية ومقترح للحل
سيناريو ضرب إيران و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |