قضايا مصرية (1) - من الذى أهان مصر ؟؟؟

كتبها Hesham Alnasser ، في 28 أكتوبر 2006 الساعة: 13:39 م

قضايا مصرية (1)

من الذى أهان مصر ؟؟؟

* * * * * * * * * *

القضية الأساسية فى مصر الآن هى "الحرية" بمحاورها الثلاث وهم وبالترتيب، الحرية السياسية والحرية الاجتماعية وأخيرا الحرية الفكرية. قضية الحرية أضحت مظلة كبيرة لعشرات بل مئات القضايا الفرعية، منها من يسير فى اتجاهها ويصب فى مصلحتها ومنها من يتعمد تحويل الأنظار عنها. بعض من تلك القضايا الفرعية التى شهدتها الساحة المصرية فى الأسابيع القليلة الماضية ونراها جديرة بالاهتمام هم:  قضية إحالة النائب المصرى "طلعت السادات" إلى القضاء العسكرى بتهمة إهانة "المؤسسة العسكرية"، وقضية مصاحبة جاءت فى سياق الصخب أو "السيرك" الإعلامى وهى "التشكيك فى حرب أكتوبر 1973"، وهناك  قضية موسمية تتصاعد كل حين وهى اتهام "جماعة الإخوان المسلمين" بمولاة السلطة المصرية الحاكمة لمنافع برجماتية طالما اتهمت بها ظلما وافتراء، وهناك إشكالية التعاون بين القوى الوطنية المصرية المعارضة لمشروع التوريث التى تبدو كتراجيدية "الأخوة كرومازوف"، وهناك القضية التاريخية عن خنوع الشعب المصرى ومذلته التى أثارها "د. عبد الوهاب المسيرى" فى نقده لما جاء بكتاب "شخصية مصر" للعلامة الراحل "د. جمال حمدان"، وأخيرا وليس أخرا هناك قضية إدانة خيار المقاومة الإسلامية التى يثيرها العلمانيون ومدعو العقلانية مستشهدين بما جرى ويجرى فى العراق وفلسطين وأفغانستان ولبنان، بهدف وأد هذا الخيار فى ربوع الديار المصرية. والحديث عن القضايا الفرعية لن يخرجنا عن القضية الأساسية، فهم فروع وتفاصيل لتوصيف الحال العليل، ومن التوصيف يأتى "التصنيف" ومنه تأتى "المعرفية" لإيجاد الحل المأمول للقضية المصيرية.

* * * * * * * * *

أولا: من الذى أهان مصر ؟؟

فى إطار الصراع بين رموز جمهوريتين متعاقبتين أو أسرتين حاكمتين أو نظامين مترابطين عضويا تم استدراج النائب "طلعت السادات" أو الساداتى وهو اللقب الحقيقى، إلى احد البرامج الفضائية بمناسبة ذكرى حرب السادس من أكتوبر وما صحبها من ذكرى مقتل الرئيس المصرى الأسبق "أنور السادات" وهو ما يعرف بحادثة المنصة. وقد تم استثارة النائب أو "تسخينه" (باللغة العامية المصرية) فصال وجال ملقيا باتهامات الإهمال والتأمر والتدليس على أطراف عديدة منها ما أسموه بالمؤسسة العسكرية المصرية التى وجد نفسه ماثلا أمام قضاءها العسكرى اثر بلاغ من "أمن الدولة المصرية" التابع لوزارة الداخلية. وتزداد غرابة المشهد بانحياز أبناء الرئيس الأسبق إلى أطراف السلطة الحالية ضد النائب الذى كثرت "سكاكينه" تمهيدا للإجهاز عليه. والمسرحية بأكملها عبثية (!!)، أطرافها جميعا مدانون (!!) والضحية الوحيدة هى الحقيقة والشعب المصرى.

1 – فالقضاء العسكرى ذاته يخل بجوهر الدستور لسبب بسيط هو عدم استقلالية قضاته وعدم توفر حصانتهم بالقدر الكاف. فالقضاة عسكر برتب مختلفة يخضعون للرتب الأعلى ابتداء من قائدهم المباشر إلى القائد العام للقوات المسلحة (وزير الدفاع) حتى القائد الأعلى وهو السيد رئيس الجمهورية، وهم ليسوا كقضاة "المنصة" فى القطاع المدنى، لا سلطان عليهم إلا ضميرهم.

2 – مثالب القضاء العسكرى كثيرة وعديدة وتحدث فيها الكثير من فقهاء القانون، منها وأبسطها هو انتزاع حق العسكريين أنفسهم من التظلم أمام  "مجلس الدولة" فى القرارات الإدارية. فأعلى سلطة فى مؤسسة العسكر هى "لجنة شئون ضباط قوات مسلحة"، وإذا ما أراد أى عسكرى التظلم منها فلا يحق له التظلم أمام "مجلس الدولة" المدنى المختص بالقرارات الإدارية بل يمثل أمام ذات اللجنة، "لجنة شئون ضباط قوات مسلحة"، ولكن تحت لافته "المنعقدة بصفة لجنة قضائية" !!!!. أى يتظلم من اللجنة لنفسها (!!!!). وهناك العشرات من الأمثلة الأخرى منها نصوص "قانون الأحكام العسكرية" وعدم التحديد الدقيق لمواد الاتهام وأتساع نطاق العقوبة، ومنها عدم وجود درجة "استئناف" أعلى، ومنها عدم وجود مرجعية ثابتة محددة يسمح فيها بالتفاوت فى حدود0 (وهناك قضية شهيرة يعلمها القانونيون الذين شاركوا فى قضية إضراب جماعات من "الصف ضباط" احتجاجا على قرار عدم ترقيتهم لرتب الضباط أبان وزارة "الجمسى" حيث تفاوتت عقوبات الأحكام بدرجة صارخة رغم تساوى الجرم أو التهمة) .. ولا نريد الإسهاب (مؤقتا).

3 – شخصية "المؤسسة العسكرية" هى شخصية اعتبارية عامة من المفترض فيها ألا تخضع لزمن معين أو لأشخاص محددين ولكن الحقيقة أنها "مؤسسة" تنظيمية ووحدة وظيفية داخل منظومة الدولة ككل تصلح إن صلحت المنظومة وتفسد لفسادها. "فإدارة" المؤسسة العسكرية المصرية أخطأت فى "حق" شعبها مرات ومرات وتسببت فى مقتل عشرات الألوف وجرح وإعاقة مئات الألوف (دون جدوى أو فائدة) والتسبب فى فقدان الأمن القومى للشعب المصرى منذ العام 1948 وحتى الآن مرورا بأحداث حرب 1956 وحرب اليمن 1962 ونكسة 1967 وألغاز حرب 1973 (وخاصة قرار تطوير الهجوم وأحداث الثغرة) وفى حرب ليبيا عام 1977 وأخيرا وليس أخرا فى حرب 1991 التى أعطت الشرعية للقوات الأنجلوسكسونية فى حرب العراق.

4 – إضفاء الصفة الكهنوتية على "المؤسسة العسكرية" يماثل تماما محاولات ما يتم إضفاءه من "قداسة" على "المؤسسة القضائية"، وما قضية الشاعر "فاروق جويدة" الذى تحدث عن حالات الاستثناءات والتجاوزات فى تعيين وكلاء النائب العام ببعيدة (!!)، حيث تم استدعاءه والتحقيق معه بطريقه أوصلته

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حديث في موضوع الحجاب_1

كتبها Hesham Alnasser ، في 21 أكتوبر 2006 الساعة: 16:57 م

حديث في موضوع الحجاب (1)

نظرة تاريخية وعلاقات إرتباطية

* * * * * * * * * *

تساءل الكاتب الصحافى الإسلامى "محمود سلطان" بجريدة "المصريون" عن العلاقة بين عفة المرأة بستر جسدها وسلامة الوطن بستر وحماية أمنه القومى، وجاء فى قوله: "لا أدري ماهية العلاقة بين ستر "جسد المرأة" وستر "الأمن القومي" ؟؟. لا أملك دليلا علميا على تلك العلاقة. ولكننا نحتفظ بتراث تاريخي كبير يؤكد وجود تلك العلاقة ولعله دليل "تجريبي" لا نظري يجعله يرقى إلى مرتبة الدليل العلمي". والكاتب محق تماما فى صحة دليله التجريبى (Empirical) المستمد من التاريخ القديم والمعاصر، فالفجور من السفور، وجهد البلاء وآيات الفناء فى سقوط برقع الحياء، والإنسان بيولوجيا هو فصيل من الحيوان لا يميزه عن الكلاب والخنازير والأنعام  إلا ستر ما يثير الغرائز والشهوات. وكم من أمم فنيت وتلاشت لفجور نساءها وعنت رجالها وضياع أنسابها. والجدير بالذكر أن من مؤشرات انهيار الإمبراطورية الغربية بالعموم والأمريكية بالخصوص هو انتشار الرزيلة وسقوط الفضيلة وكسر الصحيح وخلط الصريح، فالفتاة الغربية تُنتقد إن سترت عفتها أو احتفظت ببكارتها فهذا معناه أنها قبيحة وليست مليحة، ينفرها الخاصة وينقدها العامة، ناسين متناسين أنها بسفورها وشيوعها تتحول لمراحيض عامة.

والستر بالعموم هو الحفظ للوقاية ولا يكون إلا للأشياء الثمينة عالية القيمة،  أما السفور والتبرج فلا يكونا إلا لإعلان المتفرج كلحوم الخراف وأفخاذ الأبقار المعلقة فى حانوت جزار. والستر هو الدليل الظاهر للعفة والاحتشام واحترام العرف والشرع والالتزام،  والمظهر ينم عن الجوهر وليس لنا إلا الظاهر والله عز وجل هو الأعلم بالسرائر. والمرأة الطيبة كالزهرة الناضرة يُحكم عليها بمظهرها، أما السافرة فتحتاج لمذاق وذواق وسبر غور واختبار وبعدها يتفضل المتفضل باتخاذ القرار.

أما عن العلاقة بين عفة المرأة بستر جسدها وبين الأمن الوطنى أو القومى فيتلخص فى كون "الأمن" هو حماية مكونات منظومة الوطن ضد الأخطار الخارجية أو الداخلية وهذا لا يتم إلا بسلامة ارتباط مكونات المنظومة ذاتها الذى يكون البشر عمادها وبحفظ أنسابها، ولا ارتباط إلا بوجود مرجعية، ولا مرجعية خير من تعاليم الدين. وفى أنظمة الأمن والسرية هناك ما يسمى بالقابلية للإيذاء (Vulnerability)، وهى السمات التى تجعل الأصول الثمينة معرضة للمخاطر والأخطار والخسائر والأضرار، والمرأة السافرة (مهما كانت) تزيد من درجة تعرضها للإيذاء أقله "الزنا بالنظر" (والعياذ بالله) -  إلا إذا كانت لا تعتبر ذلك إيذاء (!!).

والحجاب ليس مجرد جلباب، وإيشارب وخمار ونقاب، بل إنه لمن جلل الأمور علي مر العصور،  كسترة ووقاية ضد التبرج والسفور، فهو للفضيلة جوهرها وشكلها، وللرذيلة من أعدي أعدائها، شريطة توفر شروطه، بألا يكون كاشفا، ولعورات الجسد واصفا، وألا يكون متبهرجا متكلفا ملفتا للأنظار، أشرارا كانوا أم أخيارا. والحجاب ليس مجرد علامة رمزية، أو زينة فلكورية، بل فريضة أساسية من فرائض عقيدتنا الإسلامية، بنصوص صريحة ( من الكتاب والسنة) لا تقبل التأويل، مهما أدعي أو تقول الدلاديل وذوي الفكر العليل.

وما حثنا علي هذا المقال، هو ما سمعناه من غثاء الأقوال، مقرونا بسوء الأفعال، من نسوة حنت ظهورهن السنون، وتخطهن رسل المنون، ودَبّ المشيب شعرهن وحفر الزمان خدودا علي جلودهن ووجوههن، وتساقطت أهدابهن والأسنان، وباتوا أقرب للأكفان، أي باختصار.. ودعن الشباب، ورغم هذا يستهزئن بفريضة الحجاب، وأنساهن شيطانهن يوم الحساب حيث الثواب والعقاب.  وأيضا (وللأسف) ما رأيناه وشاهدناه من بعض الرموز الثقافية بالديار المصرية، كنا نتخذهم مثلا وقدوة لفترة زمنية، وعندما أدلوا بدلوهم وسمعنا رأيهم فوجعنا وفوجئنا بجهلهم وضحالة فكرهم !!.، وبتنا نتساءل أين ادعاءهم بالعقلانية والمنهجية العلمية والنقد بموضوعية عند تناول الأمور الحياتية؟؟ وأبسط هذه الأشياء أن يكون للناقد المتصدي المعرفة الكلية عما ينقده، ليؤيده أو ليفنده، فقد ظهر جهلهم بالدين وأحكامه ومتون الحديث وبنيانه، ورغم هذا فقد ارتدوا العمائم وقاموا بالإفتاء، وكأن (علوم) الدين من توافه الأشياء!!، و أه .. لو حاول أحدهم ذلك في مهنة سباك أو نقاش، لكان قد أمضي يومين تلاته بغرفة الإنعاش!!، أما أحكام الدين فسداح مداح عرضها مباح.

وفي هذا المقال نستعرض تاريخ (الهجمة التتارية)، علي "حجاب" المحروسة بهية، من قبل "قاسم أمين" إلي اليوم والحين، وللأسف سنتناول بعضا من الأسماء التاريخية لرموز وقادة بالديار المصرية، لنعرف دورهم وسوء أفعالهم، عن عدم دراية وجهالة أو سوء نية وعمالة، والله اعلم بالنفوس وما يدور بالرؤوس. وإلي صلب المقال في الآتي من حوار

- تحدثت في استهلالك عن (الحجاب)، وهو (في رأينا) أمر فرعي لموضوع رئيسي. أليس الأصل هو (قضية تحرير المرأة) الإسلامية، في الأقطار العربية ؟؟

- بداية نقول أن "حركة تحرير المرأة" هي "حركة علمانية" نشأت بالديار المصرية في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، واتخذت (ظاهريا) شكل التقدمية ودعوى الحرية، أما حقيقتها فكانت في إطار الصراعات الإمبراطورية لوئد الخلافة الإسلامية.

وكما تعلم فإن "الأسرة" هي "الوحدة البنائية" للمجتمعات الإنسانية بعمومها والإسلامية بخصوصها، و"المرأة" في الأسرة عمادها وركيزة أركانها، فهن شقائق الرجال وبناة الأجيال. هي الأم الحانية، حليبها اصدق طعام وحضنها أطيب مقام، وحشاها أصل الأنام. وهي الزوجة المخلصة، عشقها حلال وشهدها سيال، آية وسكني، ملاذ ومأوي، مدبرة الأمر ورفيقة العمر، القليل في يدها كثير والرزق بتدبيرها وفير. وهي الابنة والشقيقة والعمة والخالة، ملاذن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مستنقع سياسى ودستور مسموم -

كتبها Hesham Alnasser ، في 3 أكتوبر 2006 الساعة: 07:21 ص

مستنقع سياسى ودستور مسموم

"ماجنا كارتا" على الطريقة المصرية

* * * * * * * * * *

"مصر" إلى أين ؟؟. قضية أكثر منها سؤال لم يعد طرحها ومناقشتها حكرا خاصا على النخبة المصرية فى مقالاتها و ندواتها بل باتت هما يوميا فى صدور العموم بقرى المحروسة ومدنها وكافة أرجائها. عبثية المشهد المصرى صوره أستاذ العلوم السياسية "د. حسن نافعة" فى مقاله "مصر المخطوفة، إلى أين" بقوله: "تبدو مصر هذه الأيام مثل حافلة مخطوفة مصيرها معلق بين النزوات المحتملة لخاطفيها والسلوك المحتمل لراكبيها. ولأنه لا يبدو من سلوك الفاعلين، حتي هذه اللحظة، سوي عبث الخاطفين ولهوهم، ورعب الراكبين وعجزهم، فقد راحت مصر العميقة الطيبة المؤمنة ترفع أياديها نحو السماء متوجهة بالدعاء إلي الخالق عز وجل لعل القضاء والقدر يضع حدا لعبث العابثين ويفرج كرب المكروبين".

ما لم يقله "د.نافعة" هو أن هؤلاء الخاطفين يرتدون سترات نجاة ومظلات هبوط تنجيهم وذويهم بعد السقوط المحتوم للحافلة وانفجارها. هكذا رأينا فى "لبنان" من مزدوجى الجنسية ومتعددى الانتماء، فروا حيث الأمان تاركين اللبنانى "وحيد" الجنسية والانتماء وسط النار والركام. هذا يعيدنا إلى مقولة سابقة: "إن مصر المحروسة ليست عربا فقط وفراعين بل ومن كل ملة متمصرين، ويزيد عليهم مزدوجى الجنسية من مختلف البلاد الغربية". "مصر" المحروسة بلاد العجب، حكومتها وساستها وأولياء النعم يشكلون وحدهم "عصبة" أمم (!).

أولا: المشهد السياسى العام وتسارع الأحداث :

المشهد العام يمكن تشبيهه بدوائر متداخلة مركزها "واشنطن" ويدور ا"لقلب العربى" ومنه مصر فى أفلاكها. السمة الغالبة على هذا المشهد هو "التسارع". الجمهوريون يريدون إنجاز شيء ملموس قبيل الانتخابات الرئاسية 2008 وقبيل انتخابات الكونجرس فى نوفمبر القادم إن أمكن. الديمقراطيون يسعون لإفشال المحاولة على غرار مؤامرة "ريجان" على "كارتر" فى اللعب على ورقة رهائن الثورة الإسلامية الإيرانية (1979/1980). شبح الخلاص البيولوجى يخيم على رأس السلطة المصرية (!). الترويكا العربية لا تملك خيار قرار المراهنة على أى من الحصانين الأمريكيين فهى قليلة الحيلة أنفاسها قصيرة لا تملك ترف مقاومة السلطة الأمريكية الآنية حتى لو كان الباقى من عمرها عاما أو حتى أشهرا. قوى المعارضة الوطنية فى "مصر" تعيش حالة يمكن تسميتها "بالعصف العقلى - Brainstorming"، فهناك إرهاصات وحالات تفكير جماعى للوصول إلى حل يتفق عليه يمكن تنفيذه. الحديث عن تعديلات بالدستور المصرى هو "ملهاة عبثية" فى ظل توحش أمنى للسلطة وفراغ سياسى حزبى وعدم توازن القوى الفاعلة فى منظومة الدولة المصرية، جاء كنتيجة طبيعية لحالات تجريف متراكم متعمد مقصود طوال سنين وعقود. لقطات من هذا المشهد العام (وتركيزا على مصر) يمكن تلخيصه وعرضه فى النقاط الآتية:

1 – الإدارة المصرية بدت تعى جيدا حقيقة وجدية أخطار احتمالية تكرار القالب التاريخى لخريف أكتوبر 1981 أو شتاء يناير 1952 أو ما على شاكلتهما، بعد أن سدّت كافة المنافذ عن طرق الإصلاح القانونية والشرعية أو حتى بالانتفاضة الجماهيرية أو العصيان المدنى(1). إجراءات حماية السلطة ورموزها تحولت من النظامية إلى نوع من الوساوس القهرية(2). تكلفة منظومة الحماية الأمنية الحديدية تتصاعد وأثارها الجانبية تتزايد.

2 – الشللية ودسائس القصور من الأشياء المعتادة فى النظم الاستبدادية، لكن ظهورها على السطح يعنى تراخى قبضة سلطة المركز لعجزها وضعفها. ظهر فى المؤتمر الأخير لحزب الحاكم أكثر من فصيل متناحر، حرس قديم وحرس جديد، والدكتور "نظيف" (رئيس الوزراء) حائر بينهما، وهناك صراعات رجالات المال والأعمال، فالملايين والمليارات تثير الحقد والحسد، وهناك دكاترة السلطان المصابون بالشيزوفرينيا وبعضهم يرى أعراض غرق السفينة ويخطط للفرار، وهناك زمرة التابعين المنتفعين الذين علا صوتهم وأنطلق لسانهم من عقالهم.

3 – الكذب والتدليس يعتمد على أشياء عدة منها الزمن وحجم المُدلس علية والمُدلس عليهم. حجم الفساد ونتائج الفشل للجهالة وعدم التأهيل أصبح أكبر من أى مقدرة على إخفاءه. ظهرت فضائح مشروع "توشكى" السياسى (!) بعد خداع وتعنت لسنوات. ظهر تقرير "البنك الدولي" الأخير الذى وضع مصر في ذيل قائمة تصنيف الدول الجاذبة للاستثمارات لفسادها وعدم استقرارها وجهالة القائمين عليها، وصنفها في المركز 165 من بين 175 دولة. إجمالى الدين (الداخلى والخارجى) يقترب من الثلاث أرباع تريليون جنية. فضائح ضياع عوائد بيع أصول الدولة ومخاطر المقامرة بأموال التأمينات لم تعد خافية على أحد وتحولت إلى القضاء لفضحها وليس لمنعها (!). كثير من الخبراء الاقتصاديين اتهموا قيادات الحزب الحاكم صراحة بالتلاعب المتعمد بالأرقام التي تحدثت عن معدلات النمو وحجم الاستثمارات مستغلة عدم وعى الجماهير، ولكن إلى متى ؟. الترميم والترقيع واستمرار الفاسدين المتسببين فى المصائب يهدد بحدوث انهيار كامل وشيك (Collapse).

4 – حالة متصاعدة من الإحباط والغضب، لم تصل لليأس بعد، تدفع الأقلام الناقدة لتجاوز الخطوط بكافة ألوانها. الانتقادات تعدت حالات الفساد المالى والفشل فى إدارة موارد الدولة إلى ملف صفقات التسليح الشائك الغامض منذ عقود وإلى حزم الاتفاقات السرية التى تهدد الأمن القومى المصرى فى أجياله القادمة. تحديات كبرى ستواجهها إدارة الجمهورية الرابعة (!).

5 – العلاقة بين الإدارة المصرية ونظيرتها الأمريكية هى عضوية إرتباطية كتابع ومتبوع. الدعم والتأييد يتجاوز الشكل الخارجى إلى التواجد الداخلى (!). "مصر" من الدول القلائل التى يتواجد بها مكتب لجهاز "الأف بى أى" بجانب مكتب "السى أى أيه" والعديد من الجهات التابعة للحزبين الكبيرين فى الولايات المتحدة(3). الأجهزة الأمنية الأمريكية متغلغلة فى الهيكل التنظيمى الحكومى والمجتمع المدنى والنسيج المصرى (!) ويمكن أن تكون على ثلاث حالات: مع السلطة أو ضدها أو غير مبالية (!). الضغوط التى تتعرض لها الإدارة الأمريكية تنعكس بالتبعية على موقف الإدارة المصرية. رغم تلميحات إدارة "بوش" بتأييد جماعة لجنة سياسات الحزب الوطنى المصرى الحاكم إلا أنه (ورغم نعته بعميد الأغبياء) من الصعب تأييده لعملية التوريث. أطروحات ودراسات أمريكية تحذر من مغبة التورط فى هذا الأمر، منها التقرير الأخير "لمركز دراسات الشرق الأدنى" الأمريكى. من الصعب تصديق قبول "مركز صناعة القرار الأمريكى" (وليس الإدارة الأمريكية الحالية) بفكرة تتويج "جمال مبارك" رئيسا لمصر إلا إذا كان مرحليا بقصد إحداث حالة فوضى مقصودة لهدف أخر مخفى (!).

6 – جهات القوة فى مصر باتت متعددة ومتشعبة، منها الوطنية ومنها الخارجية. هناك مؤسسات القوة الظاهرة وهناك الكيانات الخافية، وهناك مراقبة صارمة من جهات لا تخضع لسيطرة السيد "ريتشاردونى" نفسه (!!). الموقف فى مصر الآن أكثر تعقيدا مما كان قبل يوليو 1952. خطة القوات البريطانية التى كانت تتمركز فى القناة زمان (الخطة "روديو") تعتبر "لعب عيال" بما هو محتمل طبقا لمفردات المشهد الآن (!!).

7 – ضعف وعدم تأثير السياسات المصرية الخارجية إقليميا يثير قلق الإدارة الأمريكية رغم انصياعها التام للأجندة الأمريكية. المحللون الأمريكيون يسخرون من إعلان "جمال مبارك" رفضه لمشروع الشرق الوسط الكبير وهو من دعائمه وركائزه. الدور المصرى بات واضحا وفاضحا فى إجهاض بقايا الإجماع العربى، ظهر هذا فى إجهاض مشروع إدانة المشروع النووى الإسرائيلي أمام وكالة الطاقة النووية بتقديمها مشروعا موازيا للمشروع العربى الأمر الذى أفشل الاثنين. مشروع المبادرة المقترحة "المصرية-الأردنية" للسلام "العربى-الإسرائيلي" محكوم عليه بالفشل (وهم يعلمون ذلك !!). تأتى هذه المبادرة فى إطار مشروع "تنويم" المنطقة وتهدئتها تمهيدا لضربة عسكرية مؤكدة لإيران (فى حال فشل احتوائها سياسيا). تحول الإدارة المصرية إلى عبء وتكلفة على الإدارة الأمريكية هو أمر مرفوض بمنطق البيزنس والمال ومصالح الأعمال.

8 – من المفارقات أن الترويكا العربية التى تنصاع للأجندة الأمريكية الآن تتكون من مملكتين وجمهورية (!!). هذه الترويكا لا ترى الخطر الصهيوأمريكى، ولا ترى مخطط "الفاتيكان الإسلامى" للقضاء على "الثقافة الإسلامية" وليس "الحضارة" كما ذكرها "هنتنجتون"، ولا ترى مشروع "الجائزة الكبرى" الذى يهدف إلى الهيمنة التامة على الأراضى المصرية. هذه الترويكا لا ترى سوى خطر "الثورة الإسلامية الإيرانية" وهو يمثل لها خطر "تطبيق الإسلام السياسى عمليا" وليس "خطرا شيعيا" كما يدعون. الترويكا لا يهمهما سنة ولا شيعة ولا حتى بهائية أو درزية، جل الاهتمام هو الاحتفاظ بالسلطة الأبوية سواء أكانت ملكية أو جمهوملكية.

9 – من الملاحظ أن الرئيس الباكستانى "برويز مشرف" يحاول الخروج من حظيرة الدول الإسلامية المنصاعة للإدارة الأمريكية الجمهورية. "مشرف" يغازل "الديمقراطيين" بتقديم فضائح يمكن أخذها ضد "الجمهوريين"، مثل إعلانه عن تهديدات "وولفتز" بضرب "باكستان" في سياق محاربة الإرهاب بعد 11 سبتمبر إن لم تتعاون كلية وهو الأمر الذى نفاه "بوش"، أى أن فخامة الرئيس الأمريكى كالزوج الغافل أخر من يعلم (!). ومنها قيام إدارة "بوش" بدفع ملايين الدولارات للحصول على مشتبه فيهم من باكستان بالمخالفة للقانون الأمريكى الذى يجرم ذلك مع الدول ويبيحها للأفراد. المخابرات الأمريكية كانت تشترى المعتقل المشتبه فيّه بخمسة آلاف دولارا. الدور الباكستانى فى الكرنفال الاستخباراتى بأفغانستان (منهم روسيا وإيران) أصبح مقلقا للإدارة الأمريكية الجمهورية وللسيد "كرزاى". "الترويكا العربية" لا تملك ترف المناورة مثل باكستان. يمكن للإدارة الأمريكية الحالية إسقاط العروش الثلاث قبيل تركها البيت الأبيض. سؤال (إفتراضى) يتبادر فى الأذهان، ماذا تفعل الشعوب العربية إن جاءها غزو خارجى فى أى شكل يهدف إلى إسقاط سلطتها الفاسدة المستبدة ؟؟؟. هل تتكرر مقولة "إلى الأمام يا رومل" ؟؟؟.

10 – من الأقوال التى يجب التوقف طويلا عندها هو ما جاء فى خطاب الرئيس "مبارك" الأخير فى قوله: "إنه قد حافظ علي السلام وسط رياح عاتية وأزمات متتالية، فشهدت مصر أول فترة في تاريخها الحديث دون حرب ودون احتلال يمتهن سيادة الوطن وكرامته". يثار سؤال، لماذا الحروب والاحتلال إذا كانت الإدارة المصرية "منصاعة" تماما للإرادة الصهيوأمريكية ؟؟؟. الحروب لا تشن والاحتلال لا يقع إلا لفرض الإرادة، وع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فخامة رئيس كفر الهنادوة

كتبها Hesham Alnasser ، في 25 سبتمبر 2006 الساعة: 11:08 ص

فخامة رئيس كفر الهنادوة

المحتويات

أولا – الكفر والهنادوة :

ثانيا – التركيب البنائى "لحزب الحاكم" الوطنى الديموقراطى وطبيعة فكره:

ثالثا – حصاد أعمال مؤتمر "حزب الحاكم" الوطنى الديموقراطى:

رابعا – المشروع النووى المصرى بين ناصر والسادات ومبارك":

* * * * * * * * * *

أولا:  الكفر والهنادوة :

"الهنادوة" مصطلح مصرى توصيفى دارج يستخدمه عموم (العامية) المصريين للتعبير عن البسطاء السذج الذين يصلون إلى درجة الحمق والتغفيل وهم يعتبرون فرائس سهلة سائغة للمحتالين وزمرة النصابين. منهم كمثال من أشترى الترام ومنهم من أشترى "تقاوى" زراعة المعكرونة ومنهم من أستثمر قراريطه القليلة فى زراعة "الألغام"، ومنهم من ظنَّ ويظن أن للثعالب عهودا ومواثيقا أو ملة أو دينا.

يصور "الهنادوة" فى الرسوم الكارتونية (الكاريكاتورية) غالبا من الفلاحين المصريين أو من أبناء الصعيد، وهو تصوير ظالم جاهل لمن لا يعرف طبائع المصريين. فالفلاح المصرى، قبلى وبحرى،  قد يتغابى ويتظاهر بالسذاجة كأسلوب دفاعى وقائى ضد بطش السلطة الحاكمة وزمرتها الظالمة، وهو أمر متوارث منذ عهود وعمر ممدود طبقا للنظرية الواردة بعلوم المصريات "أن مصر هى أطول وأعرق مستعمرة فى التاريخ". تخلص المصرى من المحتل الخارجى ليستبدله بأشرس منه وأكثر فسقا وأشد فجرا، وهو الاستعمار الداخلى (الوطنى) الذى آتى فى أهل "المحروسة" بما لم يأت به المحتلون عبر قرون، من "الهكسوس" والفرس والإغريق والروم إلى "دايان" و"شارون".

الاستعمار الداخلى (لوطنى) مصاب بأمراض نفسية شديدة التعقيد ومركب نقص فريد نتيجة تحولات اجتماعية وتقلبات سياسية، فأفراده وكوادره وحتى زعمائه من "كفر الهنادوة" كأصل وفصل ومنشأ ومنبت. من تلك الأمراض هناك البارانويا (جنون العظمة) وهناك السادية. ظهرت "سادية" الاستعمار الداخلى فى الاعتداء الجنسى وهتك أعراض المتظاهرين والمتظاهرات فى يوم الأربعاء الأسود (25 مايو 2005) جهارا نهارا فى ميدان "التحرير" (!!)، وظهرت فى انتهاك أعراض ناشطين سياسيين شباب، تظاهروا سلميا، فى سلخانات المقار الأمنية (منهم الناشط الشاب "الشرقاوى" كمثال)، وتظهر فى التعذيب المنظم الممنهج لعشرات الألوف من المعتقلين السياسيين فى المعتقلات، وظهرت فى نحر الشيخ الشهيد "السنانيرى" فى زنزانته وإدعاء انتحاره، والأخطر والأفدح أنها ظهرت فى حفظ سعادة "النائب العام" المصرى للتحقيق، والنائب العام لمن لا يعرفون هو "محامى الشعب". قمة المأساة التى يعانيها "الهنادوة" .. أمن الشعب ومحامى الشعب ضد الشعب (!!).

أما "الكفر" وجمعها "كفور" فهو كيان ريفى بسيط اقل كثيرا من القرية، يعيش فيه الإنسان فى وئام وسلام مع الدواجن والأنعام، ويتسم غالبا بالبؤس والفقر والجهل والمرض وشبة انعدام الوعى والثقافة لنقص الخدمات وضعف التعليم ولتخلفه الزمنى والتاريخي والحضارى عن باقى البلاد، رغم أن العباد هم هم العباد.

و "كفر الهنادوة" هو المقصود والمعنىّ والمخاطب من قبل رجالات "حزب الحاكم" وليس "الحزب الحاكم"، المسمى "بالحزب الوطنى الديموقراطى"، الذى يعقد هذا الأيام ما يسمى "بالمؤتمر السنوي الرابع للحزب الوطني". وهو نوع من "الهزل السياسى"  كناتج طبيعى لما يسمى بالديماجوجية أو "البهلوانية" السياسية التى تعيشها البلاد. "الديماجوجية" هى اختصار موجز لحزمة من الصفات والسمات منها الاستخفاف والاحتقار والغش والكذب والتدليس والتزوير، التى يظهرها التركيب البنيوى (البنائي) لهذا الحزب وطبيعة "فكره. إنها علاقة الارتباط العضوى بين الشيء ومنبته، فمن نوع الشجر يعرف طبيعة الثمر.

ثانيا:  التركيب البنائى "لحزب الحاكم" وطبيعة فكره:

التركيب البنيوى "لحزب الحاكم" معروف للكافة وهو أعجب وأغرب حزب فى التاريخ السياسى، فقد أعلن الرئيس السابق "السادات" عن رغبته في تأسيس ما يسمى بالحزب الوطني برئاسته في أغسطس عام 1978، ولم تمض بضع ساعات إلا وهرع جميع أعضاء حزب "مصر العربي الاشتراكي" للتشرف والتبرك بالانضمام إلي الحزب الجديد، رغم أن "حزب مصر"  كان حزب السلطة الأساسى منذ إعلان "المنابر" 1977 (ويبدو أن "السادات" لم يعجبه أسمه الاشتراكى). ومن الطريف أن وزير الداخلية (فى ذلك الوقت)، السيد "نبوى إسماعيل"، قد ذهب مساء يوم إعلان الحزب الجديد وأثناء جلسة انعقاد  حزب مصر برئاسة "ممدوح سالم" وخاطب الأعضاء ساخرا أو آمرا:  "قاعدين ليه !! – ما تقوموا تنضموا (!)"، وكانت بداية النهاية للسيد "ممدوح سالم". لم يكن الأمر تغيير أحزاب، بل كان تغيير لافتات (!). قمة الاستخفاف بالشعب، وقمة الاستهزاء بأبسط القواعد السياسية، وقمة الازدراء والاحتقار للرجال العاملين تحت أمرة حاكم مصر. أنهم رجال لم يصلوا إلى شرف مرتبة "بيادق" الشطرنج، فالسياسة المصرية لا تعرف تعقيدات وأصول هذه اللعبة التى تصنف كلعبة الملوك. أنهم "أحجار" و"حصى" تُحرك على رقعة لعبة "السيجة" (الداما – Checker) المصرية، ثم تُلقى فى العراء أو فى صفائح القمامة والنفايات.

ورث "حسنى مبارك" الحزب الوطنى بدون "جدك" !!، فالجدك يعنى التزامات، ولا التزامات دستورية أو قانونية أو سياسية على حاكم مصر، فالحزب ليس إلا منتديا صوريا وملك خاص للحاكم يستخدمه لإضفاء الشكل الديكورى الديموقراطى على منظومة عديمة الديمقراطية. فالديمقراطية ليست إلا آلية للحرية، وفى غياب "الحرية" تنعدم الديمقراطية بالتبعية.

أعاد "مبارك" تكوين الحزب بتوزيع الأدوار وخَصَّّ السيد نجله أخر عنقوده بمنصب الأمين العام للسياسات (وهو المسئول عن رسم سياسة الحزب ومن ثم سياسة الدولة، ومن ثم بالتالى مصير خمسة وسبعين مليونا من الرعايا المصريين)، كما خصه بمنصب الأمين العام المساعد، وهما منصبان تما بالتعيين وليس بالانتخاب وهو الأمر الذى يفقد "فخامة" نجل "فخامة" الرئيس أي شرعية أو صلاحية لتقرير سياسات الدولة، حسب منتقديه الحنابلة (!!) الذين يتقيدون بقواعد تشكيل الأحزاب السياسية فى كيان الدولة، ناسين هؤلاء "الحنابلة" ومتناسين أن "مصر" المحروسة هى أقرب إلى إقطاعيات القرون الوسطى منها إلى دولة سياسية. وسواء بالتعيين أو بالانتخاب لا يهم أو بالأحرى لا فارق، فالانتخابات دائما ديكورية شكلية فى جمهورية كفر "الهنادوة" العائلية.

الشرعية فى مصر لا تستمد من عقيدة أو دستور أو من شعب بل تستمد من "قوة" السلطة وإحكام قبضتها – تماما مثلما كان يحدث فى القرون الوسطى وما قبل "الماجنا كارتا" (Magna Carta – Great Charter) الإنجليزية الشهيرة. فالشرعية من العدل والعدل من القوة، والقوة من مؤسسات الدولة صاحبة القوة (Right is Might) ومؤسسات الدولة فى رؤوسها وشبكة قوانينها العنكبوتية، والرؤوس فى منافعها ومصالحها وخشيتها ومخاوفها، والمصالح والمنافع فى يد الحاكم الفرد الواحد الأحد، وبالمثل تماما يكون البرلمان المسئول عن إصدار التشريعات والقوانين المستمدة من توجيهات لحاكمها المحورى الذى تدور فى فلكه.

أما "فكر" "حزب الحاكم" الجديد فى صورته المعدلة فيلخصه لنا الأستاذ "محمد حسنين هيكل" فى حديثه منذ العام (سبتمبر 2005) على الجزيرة الفضائية، عندما قام بالاستقصاء عن تعاون عناصر لجنة سياسات الحزب الوطنى المصرى الحاكم مع حزب "العمال" البريطانى لاستفادة الأول من تجربة الثانى فى تجديد الحزب وكيفية سيطرة "تونى بلير" وبزوغ نجمه فى الحياة الحزبية البريطانية. وجد "هيكل" أن كوادر الحزب الوطنى المصرى قد اهتمت كثيرا بقسمين رئيسيين هما قسم "الدعاية" (البروباجندا) وقسم "الأعمال القذرة" (Dirty

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حديث فى الأدب (نجيب محفوظ) وقِلّة الأدب (مؤامرة التوريث)

كتبها Hesham Alnasser ، في 17 سبتمبر 2006 الساعة: 05:25 ص

حديث فى الأدب وقِلّة الأدب (1/2)

من "نجيب محفوظ" إلى مؤامرة التوريث

* * * * * * * * * *

1 - بعيدا عن السياسة - "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ وما لم يقله النقاد :

رحل عن عالمنا الأديب الروائي العالمى "نجيب محفوظ" منذ أيام وسبقه بسنوات طوال أستاذ القصة القصيرة "يوسف إدريس". عملاقان كل فى مجاله كانا يتنافسان على جائزة "نوبل" التى حازها "محفوظ" ومات "إدريس" بسببها قهرا وكمدا. مع احترامنا للأجيال الشابة فلا يمكن لأحد أن يجيد تذوق أعمال "محفوظ" إلا من عاش أربعينات المحروسة وتطوراتها إلى نهاية القرن العشرين. قمة المتعة أن تقرأ "لمحفوظ"  فتجد الأحداث حولك تومض والشخوص تتنفس وتنبض فى مسرح الحياة وكأنك من ضمن فريق العمل ومشارك رئيسى فيه. ما تبقى الآن من آثار وذكريات وردت بروايات محفوظ هى أشبة بفلكوريات وديكورات مصنوعة. نعيش لحظات زائفة على مقهى الفيشاوي بحى "الحسين" وبعض ما حولها كمثال ثم يصدمنا الواقع الزمنى والمكانى بالبيئة المحيطة من أشخاص وسيارات وأبنية وألفاظ وعبارات تخرجنا من عبيق الماضى الإفتراضى الذى كنا نحياه وبتنا نتحسر على ذكراه.

يقول النقاد أن "محفوظ"  قد مر بمراحل متعددة أهمها: التاريخية، والواقعية الاجتماعية، والسيكوباتية (النفسية) كما فى رواية السراب عام 1948، وأخيرا الدرامية التشكيلية. هذا التوصيف ليس دقيقا تماما رغم أن المراحل صحيحة التوصيف، فقد بني "محفوظ" عالما بنائيا من تلك المراحل واخذ يجول فيها وينوع منها ويخلط المقادير لعمل توليفات وتوفيقات طيبة المذاق. أروع ما فى "نجيب محفوظ" هو قيامه بتشريح المجتمع المصرى الواقعى المنظور وسبر غور المستقبل الخفى المستور، وهو الأمر الذى ظهر جليا فى روايته الخالدة "بداية ونهاية" التى أصدرها عام 1949 وتحولت إلى فيلم سينمائى لاحقا، سقط سقوطا ظالما غير عادل – لم بكن العيب فى الرواية ولا فى تقنيات الفيلم وشخوصه ولكن العيب كان فى الجمهور المشاهد.

فكرة رواية "بداية ونهاية" وجوهرها ارتبطت بقرار سياسى كان له مردوده الإجتماعى، ألا وهو نجاح "حزب الوفد" فى فتح أبواب "الكلية الحربية" لأبناء الطبقة المتوسطة وعدم قصرها على أبناء الطبقة الحاكمة والفئة الرأسمالية والإقطاعية. لم يكن هذا غريبا (!!) ففى مقولة لأحد كبار العسكريين المفكريين يقول: "أنظر إلى فئة الضباط لتعرف نظام الحكم !!"، رأسمالي إقطاعي (مثل مصر قديما)، ملكى وراثى، بورجوازي (مثل فرنسا)، كافة قوى الشعب (مثل الفترة الناصرية). الضباط يأتون دائما من نسيج الطبقة الحاكمة والفئة المهيمنة على مقادير السلطة.

تتمحور الرواية حول أسرة متوسطة فقدت عائلها الوحيد ففقدت دخلها وأنحدر حالها صوره "محفوظ" رمزيا ببراعة فى انتقال الأسرة من الدور الأول إلى شقة رطبة حقيرة فى البدروم. تتكون الأسرة من أم مكافحة وابنة محدودة الجمال وثلاثة أشقاء هم حسن وحسين وحسنين. عملت "نفيسة" فى مهنة حياكة الملابس ثم فرطت فى شرفها على وعد بزواج وانتهى بها المطاف لتكون داعرة. آثر "حسن" الأخ الأكبر احتراف مهنة الإجرام واكتفى "حسين" بالشهادة المتوسطة ليعمل بها أما "حسنين" فكان طموحاته أكبر وتطلعاته أعظم. نجح "حسنين" وبالواسطة فى الالتحاق بالكلية الحربية ليصبح ضابطا تتلألأ النجوم على كتفيه. أراد "حسنين" الانسلاخ عن طبقته وفئته والتنكر لها، ظهر هذا فى رفضه الزواج من ابنة الجيران السابق الارتباط بها وهم الذين ساعدوا الأسرة فى مشوار حياتهم العسير. تطلع "حسنين" إلى ابنة أحد البشوات كمحاولة للانتماء لطبقة أخرى أعتقد أن البزة العسكرية ستكون جواز المرور إليها. كانت النتيجة هى الرفض وهو الأمر الذى أصابه فى كبرياءه وشرخ فى كيانه. جاءت النهاية الدرامية باكتشاف "حسنين" خطيئة أخته "نفيسة" ولم يجد حلا سوى دفعها للانتحار أو موافقته على رغبتها بالانتحار. وفى لحظات حساب النفس وجد "حسنين" نفسه ضائعا غير منتميا إلى عالم معلوم فلحق بجثة "نفيسة" فى قاع النيل، وانتهت الرواية وأسدل الستار.

"نجيب محفوظ" لم يكن يكتب رواية حالية بل كان يقدم رؤيا مستقبلية (!!؟؟). مئات من أبناء الطبقات الوسطى وحتى الفقيرة فى العهد الناصرى نجحوا فى الالتحاق بالكلية الحربية. البعض أحتفظ بأصالته وانتمائه إلى طبقته أو على الأقل لم يتبرأ منها، والبعض الأخر أنكرها ورفضها واحتمى بالبزة العسكرية كعباءة من ريش طاووسى يلتحف به ديك بلدى أو حتى غراب برى (!!). الصنف الأخير كان وبالا على نفسه وعلى من حوله وعلى من ساقتهم الأقدار ليكونوا تحت حكمه وسيطرته. إنها آفة إنكار الأصل وأن يتبرأ الإنسان من جذوره وأهله وناسه.

الآفة لم تكن فى القرارات السياسية التى حققت "العدالة الاجتماعية" التى بدأها الوفد وأكملها العهد الناصرى وفيه رأينا أبن العامل والفلاح والخفير بجانب أبن اللواء والمدير والوزير، دون تفرقة أو تمييز إلا بالكفاءة والإمكانية الشخصية وليس بالواسطة والمحسوبية. العهد الناصرى جسد ما كان يسمى بتحالف قوى الشعب. لم تكن شعارات دعائية بل تطبيقات عملية. الأفة كانت فى الأخلاقيات وفى موروثات ثقافية مصرية لخصتها أشهر نظرية فى علم المصريات "إيجيبتولوجى" وهو النظرية القائلة أن مصر المحروسة هى أطول وأعرق مستعمرة فى التاريخ (!). هذه النظرية ذكرها "جمال حمدان" فى موسوعته "شخصية مصر" وبررها ولكن لم يفندها. الآفة هى ترسيخ مفهوم العبودية لدى الرعايا وفى محاكاة السلوك الاستعمارى لمن يصادفه الحظ ويقفز لسلطة أو يتبوأ مكانة.

علاج تلك الأفة المتوطنة لن يكون فى الخطب والمقالات والقوانين والقرارات والدراسات الاجتماعية والبحوث الميدانية والتوعية الشعبية. العلاج الوحيد فى العودة إلى الأخلاقيات السوية وإزالة موروثات العبودية المتوطنة فى النفوس والمغروسة فى الرؤوس.  لن يكون ولن يتم إلا بالعودة إلى أحضان صحيح "الدين" وعباءة الإيمان وفى ظلال الشرائع السماوية. العلاج لن يكون من صنع إنسان مهما كان، العلاج يكون فقط فى هدى الرحمن.

وعودة إلى "محفوظ" الذى لم يصور الحياة كلها بكل حالاتها. خارج أوراق رواية "نجيب محفوظ" سنجد "حسنين"  قد نجح فى الزواج من أبنه الباشا ذات الأصول الأجنبية (!) لأسباب لا يعلمها إلا الله. تبرأ "حسنين" من أهله إرضاء لأهل زوجته، واستفاد من دعمهم المباشر والغير مباشر ليترقى ويترقى. الفارق الإجتماعى الكبير تحول إلى عقدة بسبب نظرات دونية كان يتلقاها ويتلقفها بتصريح وتلميح وهو ما دفعه إلى قضاء جل وقته فى وحدته العسكرية. أشتهر "حسنين" بالعمل الدائب فى عمله وبأنه "حمار شغل" كما يقولون. هرب من تسلط زوجته ابنة الباشا إلى عالمه الخاص وسط جنوده ومعداته تاركا لها ولديه الاثنين لتقوم هى بتنشئتهما طبقا لثقافتها وبيئتها وأصل عقيدتها. شب الولدان برعاية تامة من أمهما التى كانت تضارع "ليدى ماكبث" فى طموحاتها. أصبح الأبناء أولاد أمهما لا أولاد أبيهما، وهذا فارق كبير يعرفه المحافظون المصريون. التطور الدرامى "لحسنين" الجديد يحتاج "لمحفوظ" ولكن "محفوظ" قد مات، وللأسف (أو لحسن الحظ) فإننى لست "نجيب محفوظ".

هرم السلطة المصرية الحالى بمستوياته المختلفة يعج ويمتلئ الآن بعشرات ومئات  النماذج من الضابط "حسنين" الذى لم ينتحر فى الرواية ولكنه أنحر من تسلط عليهم وتسلطن فيهم. هؤلاء تنكروا لمعاناة وألام فقراء ومعدمى عزبهم وكفورهم ونسوا وتناسوا أمال وأحلام أهالى قراهم ونجوعهم. نسوا الفلاح الذى تنهش "البلهارسيا" كبده ويحيض دماء فى بوله. نسوا العامل الذى رأيناه (فى إحدى الفضائيات) يناشد فخامة رئيس الجمهورية برفع معاشه الشهرى التقاعدى المبكر الذى أرغم عليه من ثمانين جنيها إلى مائة وعشرين ( من 13 دولارا شهريا إلى 20 دولارا شهريا). نسوا الطالب الفقير والموظف الصغير الذى يتشهد كل يوم فى صباحه قبل أن يركب القطار القشاش إلى مدرسته وكليته وعمله. نسوا سكان المقابر ونسوا الملايين الذين يقتاتون أرجل الدواجن التى كانت تخصص لإطعام الكلاب. نسوا الجميع بما فيه ضمائرهم وتفرغوا للسلب والنهب، لا يهم سوء الإدارة أو الفسق والدعارة، المهم هو ترفهم وخبزهم حتى لو كان بلحوم شعبهم ودماء أهلهم.

هل نلوم حزب الوفد ؟؟؟. هل نلوم القرارات الاشتراكية الناصرية ؟؟. هل نلوم "حسنين" وزوجته الليدى "ماكبث" ؟؟؟. أم هل نلوم "نجيب محفوظ" !!؟؟. اللوم فينا وفى ثقافتنا الموروثة. وبعيدا عن مثاليات المقال نقول كالقطعان:  عاش "حسنين" … وعاشت الليدى "ماكبث" – مادمنا أطول مستعمرة وأعرق أمة "عبيد" فى التاريخ.

لقد هربنا من السياسة إلى الأدب – فأعادنا الأدب إلى قلة الأدب .. أعادنا إلى السياسة.

يلى الجزء الثانى .. عملية الإصلاح فى مصر – حياة شعب وانتحار سلطة (!!) :

هشام الناصر

الخميس 14 سبتمبر 2006

Alnasser_Hesham_EG@Yahoo.com

* * * * * * * * * * * * * *

حديث فى الأدب وقِلّة الأدب (2/2)

من "نجيب محفوظ" إلى مؤامرة التوريث

2 - عملية الإصلاح فى مصر – حياة شعب وانتحار سلطة (!!) :

أسوء وأشرس أنواع الصراعات هو ما يسمى بمباريات المجموع صفر (Zero Sum Game)، مثل مباريات الكؤوس فى كرة القدم، منتصر ومهزوم ولا يوجد تعادل. السياسة كإدارة صراع ليست بهذا التقسيم المنفصل، فالنتائج تأخذ درجات متدرجة من الصفر إلى الواحد أى من الهزيمة إلى النصر. الحالة التى تعيشها "مصر" المحروسة الآن، صراع "الإصلاح السياسى" بين المعارضة الوطنية والسلطة الحاكمة، هى من النوع الأول، أى مباراة المجموع صفر، لا بد من فائز منتصر واحد يكلل با

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أمن الأمة المصرية - ماذا يحدث غدا ..

كتبها Hesham Alnasser ، في 10 سبتمبر 2006 الساعة: 07:23 ص

أمن الأمة المصرية (1/2)

الأخطار والمخاطر والحماية

* * * * * * * * * *

أولا : أمن الدولة وأمن الأمة – مسئولية حماية أمن الأمة المصرية:

أمن النظم (System Security) بالعموم هو حماية مكوناتها ومصادر قوتها (Assets) اللازمة لاستمرارها وبقاءها وأداء أعمالها وتحقيق أهدافها. والدولة فى مفهومنا العربى (الحالى) وكمنظومة اجتماعية سياسية جغرافية قد تم اختزالها فى سلطتها الحاكمة والتى يعاد اختزالها فى شخص رئيسها أو سلطانها، أى شخصنتها، ومن ثم يتحول المصطلح البراق "أمن الدولة" إلى مجرد حماية السلطة وسلامة حاكمها.

أما "أمن الأمة" فيعنى حماية منظومة جماعة أو جماعات بشرية إنسانية تربطها علاقات معيشية مصيرية تتكامل فيه جغرافية مكانها ومواردها الطبيعية مع تراثها وتاريخها وموروثاتها، ويتعدى فيه واقعها ومفرداتها المادية إلى ثوابتها الدينية والعقائدية، وتتضاءل فيه مصالحها الحاضرة إلى سلامة أجيالها المستقبلية. ومن هنا فالأمة يمكن أن تكون إقليمية (الأمة المصرية) أو قومية (الأمة العربية) أو أممية عقائدية (الأمة الإسلامية).

وقصر الحديث عن أمن الأمة المصرية نظرا لأهميتها ومكانتها. فلمصر  المحروسة سمات ثلاثة تجعلها محور وقلب ورمانة ميزان العالم العربى والعالم الإسلامى، وهم رباط شعبها وخيرات أرضها وقوة وبأس جندها. جندها المقاتلون لا قادة جندها المصنوعون الغير مؤهلين (!!)، وفارق كبير بين الاثنين. دور ومسئولية "مصر" ليس ترفا اختياريا بل مصيرا قدريا، لهذا بوركت فى الأديان السماوية وبهذا يكون أمنها وأمانها وقيمتها ومكانتها القومية والعالمية.

الأخطار التى تهدد الأمة المصرية هى كل ما يسبب إيذاءها، من مجرد إزعاجها إلى تدميرها وفناءها أو إعادة تشكيلها، وهم أشكال وأنواع منهم الخارجى والداخلى، ومنهم المادى والمعنوى، ومنهم الغير متعمد والقاصد المترصد. أما المخاطر فهى احتمالات الخسائر والمهالك إن أصاب تهديد الأخطار مقصده. والمخاطر لا تقاس باحتمال التهديد وقيمته بل بقيمة الشيء المهدد وأهميته. وكمثال كمى، إذا كان احتمال تحقيق التهديد بضرب "السد العالى" يساوى 1%، والخسائر المتوقعة (بقياس كمى) فى حال حدوث التهديد تقدر بتريليون دولار، فإن مخاطرة هذا التهديد تقدر عشرة مليار دولار (واحد فى المائة من قيمة الخسائر إن حدث التهديد وتحقق)، وفائدة هذا الرقم أنه يحدد لنا جدوى أعمال الحماية والوقاية لمنع حدوث التهديد. وعندما تكون الأخطار تهدد كيان الأمة بكليتها، فمهما كان احتمالاتها قليلة فإن حاصل ضربها فى قيمة عظمى لا نهائية تكون عظمى لانهائية بالتبعية – ومن هنا تأتى أهمية حماية كيان الأمة.

حماية الأمن المصري هو كافة الأعمال والأفعال والأنشطة والإجراءات اللازمة لإدراك "الأخطار" ومقاومتها ومنعها، ولدرء "المخاطر" المحتملة والمتوقعة، ولعلاج الخسائر فى حال حدوثها وإعادة الأحوال إلى أصلها أو إلى خير منها، والتعلم من دروسها. وهى باختصار رعاية مصالح الأمة وكيانها، أو رعاية مصالح الخلق (طبقا لتعريف ابن خلدون) أى هى "السياسة" ببساطة طبقا للتعريف. ومن المفترض أن تكون مسئولية حماية منظومة "الأمة المصرية" من مهام أهل الرئاسة ورجالات السياسة، ولكن عندما تتحول السلطة (الوطنية) الحاكمة إلى "خطر" داخلى بذاتها يهدد منظومة "الأمة" لفسادها وضعفها وجهلها وعدم تأهيلها، أو بتحالفها مع أعداء منظومة الأمة لخياناتها أو لسوء حساباتها، فإن حماية الأمن المصرى يجب أن يتحول تلقائيا ويُلقى على عاتق كل عضو قادر وكل فرد فاعل من عناصر الأمة وأبنائها برعاية الفقهاء والحكماء ورجال الدين وأهل النخبة، كواجب وإلزام وطنى وكفرض عين دينى عقائدى.

* * * * * * * * * * * *

ثانيا : نظرة من داخل الواقع المصري:

هو عنوان مقال لشيخ المفكرين الوطنين المصرين المستشار "طارق البشرى" وفيه كفانا إعادة السرد والتكرار والبحث عن خيار واتخاذ قرار، حيث قال: لقد تكلمنا بما يكفي وزيادة، واستنفد الكلام غرضه بما وصل إليه من مقررات يكاد ينعقد عليها إجماع من تهمهم شئون بلادهم، ولم يتبق الآن زيادة لمستزيد في هذا الشأن، ولقد ذاع ذلك كله وتناولته الصحف والأحاديث بما صار به علما عاما، "ولم تبق إلا الحركة"، والمطلوب هو تلك الأفعال التي تفضي إلى "الإزاحة العملية" لما هو ضار ومخرب وظالم ومستبد وغير وطني لا يرعى مصالح الجماعة السياسية في يومها ولا في غدها ولا في مستقبلها، ويمكّن أعداءها فيها، ويجعلهم المسيطرين عليها، والحاكمين لها وأصحاب القرار النافذ فيها.

ويؤكد "البشرى" إن ألفاظ الهجوم والكشف والفضح لكل ما هو سيئ وضار وقبيح قد بلغت منتهاها، ثم يكرر مطلبه بضرورة "التحرك العملى" لإزاحة "الخطر الداخلى" بواسطة "فعل القوة" وقوة الأفعال لا بالكتابات والشعارات وحماسة الأقوال، حيث يكرر فى قوله: ولم يعد المطلوب ألا تحقق الأفعال الواقعية التي تفضي إلى "الإزاحة المادية" لكل ما هو رديء وآسن وغير وطني وغير شريف من السياسات والأفعال والوقائع والأوضاع، ويؤكد هذا المعنى أن القائمين على الأمور لم يعد يهمهم ما يقال عنهم مهما بلغ من شناعته.

وينتقل "البشرى" من السوء الداخلى إلى فضائح التحالف مع العدو الخارجى فى قوله: يتبجّح الحكام في هذه الدول بأننا في حلف إستراتيجي مع عدونا الأمريكي الصهيوني، وينعقد المؤتمر الأول "للحزب الوطني" الحاكم في مصر منذ ثلاثين سنة ليضع برنامجا كان في صدر أهدافه في سنة 2003 عبارة "مركزية الهوية الوطنية المصرية التي حفظت للدولة تماسكها"، وهو ما يعني عزل مصر عن المحيط العربي الحاضن لها والمؤمّن لها، ثم بعد ذلك تُتخذ السياسات التي لا تعني إلا العزلة عن حركات التحرر والمقاومة العربية، ثم تُوثق الأواصر مع قوى العدوان الأمريكي الصهيوني.

ما قاله البشرى" لخصناه فى بداية المقال وهى أن السلطة الحاكمة الحالية قد تحولت إلى "خطر" يهدد منظومة "الأمة" بذاتها أو بتحالفها مع أعداءها، ولذا فأن "إدارة الصراع" يجب أن تتحول تلقائيا إلى الشعب وفئاته ونخبته الوطنية كفرض عين دينى وإلزام وطنى مصيرى.

* * * * * * * * * * * *

ثالثا : سيناريوهات الأحداث المستقبلية المصرية – نظرة نقدية :

استطلعت أحدى الصحف المصرية أراء بعض رموز القوى الوطنية حول السيناريوهات المستقبلية المحتملة ونشرتها بمقال تحت عنوان "مصر تنتظر انفجار المهمشين أو إنقاذ الوطنيين"، وقد جاءت الآراء كالآتى: تكرار سيناريو انتفاضة 1977وأحداث الأمن المركزي عام 1986 على نطاق واسع (قطب يسارى). يرتبط الأمر بوقوع حادث كبير أو كارثة طبيعية ضخمة، بحيث يكون ذلك هو المحدد الذي يمكن أن نراهن عليه لحدوث تحول سريع في مستقبل مصر (مفكر قومى). مصر مهددة فعلا بثورة الجياع والمطحونين، والخروج من المأزق سيكون على أيدي قوة وطنية يحتضنها الشعب بقوة؛ بهدف حسم المصير الغامض ووضع حد للسير بالبلاد نحو المجهول (قيادى إخوانى). ومع احترامنا وتقديرنا للآراء السابقة فإنها غير دقيقة وبعيدة بحد ما عن الواقع المصرى، ويمكن تحليلها ورصدها فى النقاط الآتية:

1 – سيناريو تكرار انتفاضة يناير 1977، أو ما أسميناه فى مقال سابق تكرار القالب التاريخى لشتاء يناير 1977، هو خيار مرجو ومأمول نظرا لكونه يمثل إرادة شعبية وصحوة جماهيرية، ولكنه وللأسف غير واقعى ويكاد يقترب من استحالة الوقوع لأسباب كثيرة بدأتها السلطة (السادات) عقب إجهاض انتفاضة 1977 ومازلت مستمرة إلى الآن (مبارك) ويشي بها عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين (وصلت التقديرات إلى بضع وسبعين ألفا – حسب ما جاء فى مؤتمر الحقوق السياسية للمعتقلين السياسيين) وبدون اتهام ورغم تبرئة المحاكم الجنائية لهم من عشرات السنين. والخلاصة وباختصار أنه سيناريو تمنعه وتجهضه حسابات القوى الحالية (قوة وبطش قوى السلطة الأمنية مقابل تشرذم وانتهازية قوى المعارضة الوطنية).

2 – الحديث عن تكرار سي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ربيع مصر الحائر بين صيف يوليو وخريف أكتوبر

كتبها Hesham Alnasser ، في 5 سبتمبر 2006 الساعة: 06:02 ص

بين استعمارين .. داخلى وخارجى

ربيع "مصر" الحائر بين صيف يوليو وخريف أكتوبر

* * * * * * * * * *

لم تعد هناك حاجة لتوصيف الأخطار التى تحدق بنا وتحيق برقابنا فقد باتت معلومة ومعروفة. هما اثنان الأول مخطط صهيوأمريكي خارجى والثانى مشروع توريث داخلى، والاثنان متحالفان كمطرقة وسندان. الحل الوحيد للخلاص هو الإصلاح السياسى الحقيقى الداخلى لمواجهة المشروع الخارجى وهذا لن يتأتى إلا بقوة فاعلة نراها حاليا فى أربعة قد تأتي حصريا (Exclusive) أو ضمنيا (Inclusive) أو قد لا يأتى الكل مطلقا.

ما يتهددنا هما استعماران الداخلى أشد قسوة وأكثر بطشا من الخارجى. المقصود بالاستعمار الداخلى (Internal Colonialism) هو هيمنة فئة جزئية على مقدرات الفئة الكلية في كافة شئونها الحيوية. وفى حال البلدان والأوطان تمثل الفئة الجزئية الاستعمارية تكتلا ممن ينسبون إلى المجتمع أو الوطن ككل، هم مجموعة تجمعهم سمات وتربطهم مصالح ويُسيّرون الكلّ لمنفعة الجزء داخليا وخارجيا، سياسيا واقتصاديا وما يستتبعهما من نوائب اجتماعية وعواقب ثقافية وغيرها. النتيجة الحتمية أن تدفع الأغلبية المستضعفة فاتورة حساب سياسات ومغامرات الأقلية المهيمنة، يحصدون عواقب أعمال ونوائب أفعال لم يشاركوا في صنعها ولم يستفيدوا من ثمارها ولكنهم يحصدون دائما علقمها ومرها.

قمة الظلم الإنسانى أن تجنى الشعوب سوء عواقب ما لم تشارك فى فعله أو تُُستشار فى أمره أو تدري بقراره أو تعرف بمساره فقط تصدم فجأة بعواقبه ونتائجه وأثاره. ولكنه ليس ظلما إلهيا، فالرعية أُستخف بها فانصاعت وأطاعت وعليها دفع ثمن خنوعها وانصياعها.

الاستعمار الداخلي رأيناه فى "العراق" الذى يدفع شعبه الآن ثمن مغامرات فئة استعمارية سابقة. يدفع الثمن تحت نير استعمار خارجى أجنبى يستبيح أرضه ويهتك عرضه ويجتث زرعه ويحرق حرثه ويهلك نسله بفتنة دموية وتذبيح وتقتيل وشبح تقسيم. ومع التقدير لبعض أعمال "صدام" وما يقال عن نهضة العراق السابقة وإتحاد طوائفه وأعراقه فإن صورة واحدة من صور استباحة أنجال "صدام" وعياله وأقرباءه وحاشيته وكهنته وبطانته لمقدرات وسلطات وثروات العراق لكافية ووافيه بتصنيفه كإستعمارى وطنى داخلى. ولعل يشفع له حبسه وأهانته ومعاناته ومقتل أولياء العهد من أبناءه.

استعمار وطنى داخلى أو استعمار أجنبى خارجى – كلاهما استعمار وكلاهما إستحمار (!!).

والاستعمار الداخلى نراه فى "مصر المحروسة" الآن، نعيش نتائجه الكارثية ونستبصر نكباته المستقبلية. عاشت مصر آلاف السنين تحت نير الاستعمار الخارجى بدء من الهكسوس والليبيين والنوبيين والفرس والإغريق والرومان حتى أسرة "محمد على". وتعيش الباقى من تاريخها في استعمار داخلى. لعل الحكم الناصرى كان أخفهم وطأ فهو على الأقل حقق عدالة اجتماعية وجزء من حرية ثقافية وفكرية وسياسية وتوعية شعبية، ظهر هذا فى خروج الشعب فى مظاهرات أحكام الطيران فى العام 1968 وظهر فى اعتصام الطلاب والعمال في ميدان التحرير لرفض حالة اللاسلم واللاحرب فى العام 1972، وظهر فى انتفاضة العام 1977 بدفع من بقايا موروث ثقافى ووطنى من الحقبة الناصرية التى بدأت محاربتها واستئصالها فى عهد "السادات" وأُجهز عليها تماما الآن بسياسة أمنية قمعية شعارها فرد أمن لكل مواطن ومعتقل (باستيل) بكل محافظة (!!). وهذه ليست مبالغة .. فالجهاز الأمنى يقترب من المليون وربع المليون فردا والجهاز العسكرى يقترب من الثلث مليون وله مهام أمنية داخلية أساسية، أى أن لدينا فردا أمنيا لكل خمسين مواطنا (!) والنسبة العالمية هى واحد لكل 150 إلى 200.

جاءت الجمهورية الحالية (مبارك) بشرعية انتقالية بعد أزمة "خريف" أكتوبر وتعهد رأس الدولة بعدم الاستمرار فى الحكم لأنه يزهده ولا يرغبه (!!)، ولكن منظومة الفساد الدستوري وسلة القوانين الاستعمارية والموروثات الفرعونية ألهّته (قامت بتأليهه) وغيرته وأزالت زهده وعدم رغبته. تنامت فئة المال والأعمال النفعية (الأولجاركية) التى ظهرت فى الجمهورية الثانية (السادات) وتجذرت وتنمرت. التقت المصالح والمأرب وأثمرت عن فكر جديد .. هو فكر التوريث، نفس فكر ومفهوم الفكر الإقطاعى فى العصور الوسطى المظلمة. العالم يتقدم ويصعد نحو الألفية الثالثة ونحن نتقهقر وننحدر نحو الألفية الأولى (!!).

يتساءل أحد الكتاب (د. أحمد دراج في "المصريون") عن سبب استماتة نظام "مبارك" الحاكم في القبض على السلطة لتنفيذ التوريث عنوة وقهرا بفرضه على الشعب. وسبب استهجانه أن معظم ثروات مصر العقارية من أراضي ومصانع قد وهبت كعطايا للأتباع أو بيعت بأبخس الأثمان للمحاسيب من ذيول الرأسمالية العالمية. ويتساءل لماذا يصر نظام الحكم على التوريث ؟؟، مستنتجا أنه مازال فى "مصر" الكثير مما يطمعون فيه ويطمحون إليه. والإجابة صحيحة وإن كانت غير كاملة (!). نعم تم أخذ الكثير بل وأكثر من الكثير، ومازال هناك الأكثر. هناك مشروع بيع مواقع الأرض المتميزة الذي سيدر عشرات ومئات المليارات (مثل مجمع التحرير ومساحة الأرض المتميزة المقام عليها حديقة حيوان الجيزة ومنطقة متحف الآثار بالتحرير وغيرهم)، وهناك مشروع تخصيص مياه النيل وتمريره إلى النقب الإسرائيلي، وهناك مشروعات تأجير أرض سيناء للاستخدام كنفاية للعالم الصناعى والنووى (مثلما فعل "السادات" فى الآبار الملحية بالمنطقة الغربية)، وهناك استكمال مشروعات المواخير السياحية على شواطئ سيناء والساحل الشمالى، وهناك غيرها وغير غيرها. ولكن هذا ليس السبب الأساسى والرئيسى (!!)، فالسبب الحقيقى وراء الاستماتة لتنفيذ مشروع التوريث هو تجنب الحساب واتقاء العقاب الذى سيكون حتميا فى حال تولى أى رئيس جديد للسلطة حتى لو كان من داخل المنظومة الحاكمة. هكذا هى موروثات مصر الفرعونية. وهكذا فعل "السادات" مع "ناصر" وهو الذى توجه وأسبغ عليه حمايته، وهكذا فعل "مبارك" نفسه مع سلفه وربيب نعمته.

كوارث سياسة "مصر" الداخلية ستجلب عليها نكبات خارجية مستقبلية. هكذا تقول المقدمات حولنا وتنبئنا وهكذا يقول الاستدلال العقلانى وهكذا يقو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نذائر نكبة عربية ومقترح للحل

كتبها Hesham Alnasser ، في 27 أغسطس 2006 الساعة: 05:55 ص

نذائر نكبة عربية ومقترح للحل

سيناريو ضرب إيران وإصلاح المنظومة المصرية (1/3)

* * * * * * * * * *

أولا: التاريخ يعيد نفسه. من يلعب دور الشريف حسين في سايكس بيكو الثانية ؟؟؟.

من المؤكد أن التاريخ يعيد نفسه كثيرا بمفاهيمه المجردة ونادرا ما يكون بقيمه المادية الخالصة، والأخيرة (وليست كل المقولة) هي ما ينطبق عليها قول "ماركس" التي يستشهد بها بعض المثقفين: "حينما يبدو كما لو كان التاريخ يعيد نفسه، فإن المرة الأولي تكون حقيقية والثانية تكون حماقة". فالأحداث التاريخية تتكرر كثيرا في أنماط أقرب إلي "قوالب" قد يتغير شكلها الخارجي ولكنها تتقارب في مضمونها الجوهري. فالقالب الدرامي لمقتل "هابيل" علي يد "قابيل" تكرر مئات الألوف بل ملايين المرات في أحداث التاريخ ومكوناته، وقالب أحداث الغزو العثماني لمصر المملوكية تكرر ألوف قبلها ومئات بعدها. قابيل وهابيل وسليم الأول وقنصوه الغوري هم قيم مادية (Values) تتغير ولكن القالب التاريخي يتكرر.

العلماء هم من يأخذون "موزايكو" الأحداث المتناثرة ويدرسون كيفية تكوين "صورة" ما، ثم من مجموعة الصور كيفية تكوين "المشهد"، ومن المشاهد كيفية تكوين "السيناريو" وهو الذي يشكل مع مقدماته وتفاعله ونهاياته ما يحدث في التاريخ، أو قل التاريخ ذاته. إنها عملية إدراك "الجزيئات" ثم تركيبها في السياق والاتساق لتكوين "المكون الأكبر".

أمتنا العربية الآن تعيش نفس إرهاصات أحداث "سايكس بيكو" ما بعد الحرب العالمية الأولي. فما هو الذي سيتم تقسيمه وإعادة تشكيله، ومن هو الذي سيقوم بالتقسيم، ومن هو الذي سيلعب دور الشريف "حسين" وأولاده ؟؟؟. إنه سؤال ليس في صورة استفهام (!)، فالكل تقريبا يعرف الجواب ويدرك المراد، وهو (أي السؤال) ليس عبثيا بل يأتي لشحذ التفكر وحث التدبر بغية إيجاد التماثل وقياس التناظر بين ما حدث في الماضي ونتائجه الكارثية وبين ما يحدث في الحاضر وعواقبه المستقبلية.

المثير في الأمر أننا لم نعد نحتاج إلي جهد كبير لتجميع "موزايكو" الأحداث وتجميعها وصولا إلي السيناريو المتوقع كما كان يحدث قديما، ويعود الأمر في ذلك لأسباب ثلاث، أولهم ثورة الاتصالات ونضج الإعلام الفضائى وتعاظم ثقافة الإنترنت، والثاني هو "فجور" الكيان الإمبراطوري الجديد الذي يجاهر بعقيدته (الدينية والفكرية) وبنواياه (إستراتيجياته) وبخططه ومخططاته، بل ويتمادي في الإفصاح عن تطبيقاته وتكتيكاته في أعمال مرحلية ومشروعات جزئية، فلم نعد نحتاج إلي ثورة بلشفية أخري لتفضح مؤامرة "سايكس بيكو" الثانية. أما السبب الثالث فهو في تسارع وتيرة الأحداث وتقارب وقوعها ومن ثم لا يكتمل زوال أثار السابقة حتى تأتينا اللاحقة، وفي وضوح التتابع والتسلسل الذي يبدو "ممنهجا" منظما وكأننا أمام سيناريو أحد أفلام الرعب والإثارة ثلاثية الأبعاد في قاعات السينما أو علي الفضائيات.

* * * * * * * * * * * * *

ثانيا: انتهاك العقل وعودة الإدراك.

ويبقي السؤال .. لماذا لم ندرك حقائق ما ينتظرنا رغم هذا الطوفان من الدلائل الواضحة والمشاهد الفاضحة ؟؟؟. هل وصل بنا هذا المدي من اختلال في الإدراك  لمرض في العقل وانتهاك ؟؟. الإجابة وبدون تفاصيل لأننا تعرضنا إليها كثيرا هي "نعم" -  لقد تم اختراق عقولنا بتشويه رموزنا وتسفيه المبادئ والثوابت وإفقادنا الهوية وتأجيج الصراعات بين الانتماءات الوطنية والقومية والأممية، أما الأخطر فهو ما جاء من رد أسباب قوتنا (من عقيدتنا) في نحورنا وجعلها سلاحا علينا لا لنا. جعلوا "العقيدة" سياجا وأشواكا تحمي الولاة والسلاطين حتى لو كانوا بمقياس "السياسة" (من نتائج إدارة الصراعات وحل النزاعات وخير العباد وسلامة البلاد) غير موفقين أو غير صائبين أو غير قادرين  أو غير مؤهلين.

من رحمة الله عز وجل أن النكبات قبلما تحصد الرؤوس وتذل النفوس تسبقها أزمات، والأزمات تسبقها نذائر، والنذائر تحتاج لمن يوصفها ويصنفها ومن ثم يفسرها ليَعلم ويُعلم البسطاء وأنصاف الجهلاء مآلها ومثواها وعواقبها ومنتهاها. قد ينجح المدلسون في علاجات شكلية وإصلاحات وهمية، تماما كأسلوب استخدام "الأسبرين" في أمراض الحمي، فقد يشفي المريض بلطف من الله وأمره فإن مات فقضاء الله وقدره، ناسين هؤلاء مدعىّ الجبرية أن القدر هو ما ليس من فعل البشر، وأن النتائج الربانية لا تعفي من الأخذ بالأسباب كمسئولية، ولذا جاء الحساب من ثواب وعقاب.

قد يصلح "الأسبرين" في علاج الصداع والآم الأسنان ولكن لا يصلح في حال أورام السرطان ؟؟؟، عندما تستفحل الأورام ويسوء الحال فلا علاج ولا دواء إلا الاستئصال.

نزعم أن "الوعي" والإدراك العربي قد عاد جديا بعد سقوط العراق في العام 2003. الوعي بمدى هشاشة وزيف النظم الحالية، وفي سقوط نظرية "المستبد العادل" هذا إن كان عادلا، وفي النفاق الكهنوتي في استخدام الآية الكريمة "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم" وهي مقولة حق يراد بها باطل مادام "الوالى" قد أتى زيفا وزورا وقهرا، وفي إدراك أن الشعوب فقط هي التي تدفع الثمن دائما من أمنها وسلامة بلادها. وفي إدراك أن العقيدة والهوية هما المستهدفان ثم يأتي بعدهما موارد البلاد وشعوبها. أما الأهم فهو الوعى والإدراك معا بأن أمن وسلامة أولادنا وأحفادنا ومستقبل أجيالنا يجب أن تبدأ "تكلفته" من الآن وإلا أبتلينا بمعاناتهم وآلامهم ولعانتهم في كل زمان (!).

* * * * * * * * * *

ثالثا: مصر  في أزمة وهي الحل الوحيد للنكبة :

أمتنا العربية علي شفير فناء، هذه حقيقة واقعية وليست مبالغة لفظية أو عبارة مجازية، وخاصة بعدما اتضحت النوايا الصهيوأمريكية في ضرب إيران الإسلامية وإتمام إعداد المخططات العملياتية (Operational) وتحديد وقت التنفيذ  (سيتم عرض سيناريو الحرب تفصيلا). إنقاذ الأمة العربية لن يتأتي إلا بإنقاذ كبشها و"رمانة ميزانها"، وهي "مصرنا المحروسة" التي تم اختطافها أولا منذ السادس عشر من أكتوبر 1973 (!!) – وليعد المؤرخون والمهتمون بالتدقيق والتفصيل إلي ماذا حدث في ذاك اليوم المشئوم، من المصادر العربية (هيكل والشاذلي) ومن وثائق وأرشيف الدول الكبري (تحقيقات الجزيرة الفضائية) ومن الموسوعات العالمية ومن (وللأسف) الوثائق الإسرائيلية، وليعودوا (وهو الأهم) إلي الواقع المادي الملموس والناتج المحسوس (!) بالقياس الكمي والتقدير النوعي مسترشدين بمرجع قياسى حاكم فإن لم يكن فبالمقارنة الثنائية مع نماذج محلية أو إقليمية أو عالمية. قد نختلف أو نتفق علي تاريخ الاختطاف، فالبعض يرجعه إلي فجر السابع من أكتوبر 1973 والبعض يرجعه إلي تاريخ زيارة القدس 1977 والبعض يرجعه إلي تاريخ معاهدة السلام 1978 والبعض يرجعه إلي العام 1991 (المشاركة في حرب تحرير الكويت وإعطاء الشرعية للقوات الأنجلوأمريكية)، المهم هو الاتفاق علي الاختطاف ذاته بغض النظر عن ميقاته (وهو الأمر الذي أشار إليه "هيكل" في حديث له منذ أيام).

"مصرنا المحروسة" يبتليها الله عز وجل بكوارث متتالية كنذائر تحذيرية لنكبات مستقبلية لعل أهلها يبصرون ويتبصرون ويستبصرون، فإن ظلوا علي غيهم يعمهون فهم الفاسقون ولأنفسهم يظلمون. "مصرنا المحروسة" ابتلاها الله بأكثر من مائة ألف ضحية في الربع قرن الأخير ما بين قتيل وجريح ومعتقل وأضعافهم من اليتامى والثكالى، في حوادث إهمال وفساد وسائل المواصلات فقط. حوادث المواصلات وحدها دون غيرها وفي الممارسات الأمنية لقانون الطوارئ المسلط علي الرقاب منذ ربع قرن من الزمان (من 20 إلي 25 ألف معتقلا سياسيا). ابتليت مصر بحوالي 27 ألف مصابا في السنوات الست الأولي من الألفية الثالثة في حوادث القطارات وحدها وهي وسيلة الفقراء (6 آلاف قتيلا و21 ألف جريحا)  ويضاف إليهم ألف قتيلا في فاجعة غرق العبارة مصرية الأخيرة منذ أقل من العام ليرتفع رقم الضحايا إلي 28 ألف مصابا (7 آلاف قتيلا و21 ألف جريحا) أي سبعة أضعاف الخسائر اللبنانية في جولة الصراع العربية الإسرائيلية السادسة.

مائة ألف مصابا عدا ملايين الجائعين وعشرات الملايين من المرضي نفسيا وعضويا ومن العاطلين المعطلين ومن المحرومين عاطفيا (أهل العنوسة) ومن المقهورين كمدا وغمدا من طوفان الفساد الذي عم البلاد، ومن آلاف الموتى الأحياء أو الأحياء الموتى الذين انتهكت حرماتهم وشرفهم وحرماتهن وشرفهن في سلخانات المنظومة الأمنية، وهذا بإغفال مئات المليارات المنهوبة نقدا وعينا من موارد البلاد والملكية العامة للعباد (وهي قد فاقت التريليون).

خسائر مصر من المال والأفراد في ربع قرن من السلام تعادل أضعاف خسائرها في أربعة حروب وعبر ستة عقود. هذا عن النواحي المادية بدون حسابات خسائر سياسية أخري قد لا يهتم بها المواطن البسيط مثل تدني مكانة مصر الإقليمية والعالمية وتداعياتها.

* * * * * * * * * *

رابعا: وما هو الحل ؟؟ …

قبل الحديث عن الحل وتفصيلاته يجب أولا إدراك طبيعة الحالة الراهنة وضرورة التحدث عن السمات الضرورية لهذا الحل. بالنسبة للحالة الراهنة فهي قد تجاوزت صفة الأهمية والخطورة إلي حافة الكارثية وهو الأمر الذي يجعلها ومن المؤكد "نقطة تحول" (Turning Point) إلي الأسوأ في مصير الأمة ككل. أما بالنسبة للحل ذاته فيجب أن تتسم سماته بالآتي:

1 – الحل يجب أن يكون مصريا، فهذا وقبل أن يكون واجبا (عقائديا وقوميا) فهو ضرورة لأننا أول المستهدفين، ونحن شئنا أم أبينا أصحاب الريادة وأهل القيادة. ودور مصر إن لم يكن بالعمل والمشاركة بالإيجاب لصالح الأمة فعلى الأقل لا يكون بالمشاركة ضدها.

2 – الحل يجب أن يتناسب مع طبيعة بنائية المنظومة المصرية التي تُختزل إداراتها بحكم موروثاتها في قمة رأسها، وأي إصلاح بعيدا عن الرأس سيكون كاللهو والرقص ونوعا من الترقيع وضربا من التسكين.

3 - الحل يجب أن يكون سلميا، فالدماء تجلب دماء والعنف قرين البلاء.

4 – الحل يجب أن يحظى بأغلبية الوطنين الثقاة وهم معروفين كجماعات وشخصيات وتيارات وأن يأتي أولا عن قناعة نخبوية وسياسية ومؤسسية. وثانيا عن إجماع شعبي يجاهر فيه ويطالب به. وثالثا عن قناعة السلطة الحالية والعمل به في سلام. ورابعا إن لم يتحقق ثالثا يكون الحل في التظاهرات والاعتصام وصولا إلي العصيان المدني العام.

ولا يمكن أن يتم ذلك إلا ببلورة الموقف العام الناشئ عن مجموعات من المحددات في المشهد الخارجي (العربي والعالمي) التي تتناثر مفرداته، وفي المشهد المصري الداخلي الذى يتم التدليس علي حقائقه ومكوناته، وتمحيص هذا كله واستيعاب مدي خطورته وتأثيره، فإن تم هذا ولاقي الإجماع فهذا هو نصف الطريق إلي الحل.

وللحديث بقية … يلي توصيف المشهد الخارجي وسيناريو الحرب القادمة (ضرب إيران).

هشام الناصر

الخميس 24 أغسطس 2006

* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *

نذائر نكبة عربية ومقترح للحل

سيناريو ضرب إيران و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ما بعد الجولة العربية الإسرائيلية السادسة

كتبها Hesham Alnasser ، في 24 أغسطس 2006 الساعة: 05:11 ص

مستقبليات شرق أوسطية

ما بعد الجولة العربية الإسرائيلية السادسة

انتهت جولة سادسة في الصراع العربي الإسرائيلي منذ أيام ولكن ومن المؤكد أن مباراة المصير أو صراع البقاء ذاته لم ينته بعد. تلكأ الحكم الدولي في قرع الناقوس أو الجونج  لعل وعسي يقوم اللاعب المدلل (الموصي عليه) بإنهائها بالضربة القاضية الفنية بدلا من الدخول في مشاكل حساب النقاط.

لخص السيد "عمرو موسي" الأمين العام لجامعة الدول العربية تأخير صدور قرار مجلس الأمن الدولي لأكثر من شهر علي اندلاع القتال بأنه تقاعس غير مسبوق من المنظمة الدولية، إلا أنه وفي حقيقته وبعيدا عن اللغة الدبلوماسية هو أمر أقرب إلي التواطؤ منه إلي التقاعس في تاريخ المنظمة.

قَبلَ طرفي الصراع الظاهران القرار، وهما الحكومة اللبنانية وبموافقة "حزب الله" وحكومة الكيان الإسرائيلي وباضطرار (اقرب إلي الوقفة التعبوية) من الإدارة الأمريكية. جاء القرار كالعادة من نفس نسيج قرارات الصراع عبر ستة عقود وابرز ما فيه نقطتان أحدهما نراه معقولا وهو قيادة فرنسية لقوات دولية بمشاركة دول إسلامية (وليست قيادة أمريكية أو بريطانية أو قيادة الناتو - حسبما أعلن حتى الآن)، والثاني شرا مستطيرا وهو شبح "تدويل" المشكلة اللبنانية كمقدمات (أمريكية إسرائيلية عربية موالية) لعملية تصفية نهائية أو تبدو نهائية لزوم الانتخابات الأمريكية الرئاسية في العام 2008(!!)، أي أن العام 2007 الذي سيبدأ في نهايات هذا العام سيكون حرجا مصيريا.

قمة المهانة والمذلة والاستكانة أن يتم تحديد مصير حوالي 300 مليون عربي وأكثر من مليار مسلم في أنحاء الكرة الأرضية الملتهبة علي موائد حوارات الأحزاب والقوي السياسية الأمريكية وفي سياق حساباتها الانتخابية.

عموما .. انتهت جولة في المباراة الكبري وبدأت كالعادة التحليلات والتنظيرات، من هو المنتصر ومن المهزوم ؟؟، ما جدوى المقاومة في عصر العولمة ؟؟، كيف تمت إدارة الأزمة إقليميا وعالميا ؟؟، ما هي مستقبليات المنطقة الشرق أوسطية ؟؟، ما هي الخطوة القادمة في المشروع الإمبراطوري الأمريكي ؟؟، وأخيرا وليس أخرا هل تنتظر "مصر" بصفتها دولة محورية (تاريخيا) أياما عصيبة ؟؟؟؟.

* * * * * * * * * * * * * * * * *

أولا: النصر والهزيمة:

ستة حروب (جولات) في ستة عقود في إطار الصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأ أوله العام 1948 بمواجهه إسرائيلية ضد سبعة دول عربية، وجاءت الجولة السادسة ضد تجمع حزبي شعبي مقاوم – هو جزء فاعل داخل دولة. من المستحيل أن يتدني مستوي المواجهة دون ذلك – فماذا بعد حزب شعبى وطني يقاوم وحده المشروع الإسرائيلي الأمريكي ؟؟؟؟. إنها نهاية مرحلة وبداية أخري ستتحدد في الأشهر القليلة القادمة (!!).

من الظلم إن لم يكن من غباء التحليل السياسي أن يتم اختزال "حزب الله" بعقيدته وتاريخه وقيادته ومقاتليه ومقاومته وإنجازاته إلى مجرد كونه ذنبا لإيران أو عميلا لسوريا. هل كانت "مصر" ذنبا للإتحاد السوفيتي في فترة الحرب الباردة أم كان التقاء مصالح ؟؟؟؟.

المقصود بالنصر والهزيمة هنا هو ما يخص تلك الجولة وليس الصراع ككل. المقصود هو نتيجة جولة "تكتيكية" في إطار الصراع الإستراتيجي العربي الإسرائيلي. الحكم بتحديد المنتصر والمنهزم فى تلك الجولة السادسة لا يمكن أن يخضع لأهواء وأمزجة أو نقلا عن هذا أو ذاك. الحكم يكون بتحديد "معيار" أو معايير تقييم ذات أساس مرجعي تسقط عليها القيم المادية للشيء المراد تقيمه. معيار النصر والهزيمة المتفق عليه هو تحقيق الأهداف وفرض الإرادة. فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة والخفية وفشلت في فرض إراداتها علي حزب الله وكسرت هيبتها وظهرت عوراتها. إذن إسرائيل (طبقا للعيار الحاكم وما تجلي من نتائج) هي المنهزمة أو علي الأقل غير منتصرة.

في المقابل، نجح "حزب الله" في إثبات وجوده وذاته وقوته، ونجح في فرض خطابه أمميا وإقليميا، ونجح في الخروج الوقتي من مساعي مجموعة "14 آذار" لنزع سلاحه وتحجيم قدراته وبذلك تم تجنيب لبنان فتنة طائفية عاصفة مدمرة كان من الممكن أن تكون أشد وبالا وأسوء حالا من الخسائر التي نتجت عن العدوان الإسرائيلي  (ونتائج الحرب اللبنانية الأهلية السابقة خير شاهد ومثال). أما الأهم فقد ظهر في نجاح "حزب الله" في احتواء مفاجأة الاستخدام الإسرائيلي المفرط في القوة كرد فعل علي عملية "الوعد الصادق".

مفاجأة الرد المفرط (كما ونوعا) لم تكن لحزب الله وحده بل للجميع بما فيهم معظم القوي الإسرائيلية باستثناء دائرة محدودة مغلقة في قمة هرم صناعة القرار الإسرائيلي والذي قامر وغامر وسيسقط كما سقط "بن جوريون" و"جي موليية" و"إيدن" و"موشي دايان" و"جولدا مائير".

الفارق بيننا (كأمة عربية) وبينهم أن أخطاء ساستهم تسقطهم، أما نحن فأخطاء ساستنا ترفعهم وتسقط شعوبهم (!!). رأينا ذلك في 1956 وفي 1967 وفي ثغرة الدفرسوار عام 1973 وفي معاهدة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التجربة اللبنانية بين حرب أكتوبر وسقوط بغداد

كتبها Hesham Alnasser ، في 15 أغسطس 2006 الساعة: 05:04 ص

التجربة اللبنانية

بين حرب أكتوبر وسقوط بغداد

الحياة بعمومها هي سلسلة من التجارب البشرية وتراكم نتائجها ومن ثم ممارساتها. هي تجارب الإنسان مع ذاته ومع الآخرين ومع الطبيعة. ومن تراكم وترابط الفعل ورد الفعل تأتي ثقافة الشعوب. وتبقي الإشكالية الأزلية في تقييم التجارب ونتائجها، إما بالاحتكام إلي مرجع مطلق حاكم أو بالمقارنة الثنائية مع نظائرها ومثيلاتها المشتركين في بعض أو كلّ سماتها.

نعيش الآن تجربة الحرب اللبنانية التي يتم تسويقها إعلاميا غربيا (ومن في معيتهم) علي كونها حربا بين دولة إسرائيل ومنظمة حزب الله الشيعي (المصنف إرهابيا في أدبيات العالم الغربي) وهي في حقيقتها صراع "إرادة" بين مقاومة إسلامية ووطنية لبنانية (شيعية في أغلبها وسنية ومشاركة شيوعية، وأخيرا علمنا أن هناك أيضا مشاركة مسيحية رمزية) وبين كيان استيطاني استعماري. الحرب لم تنته بعد ولكن بشائرها تنضح بنتائجها من بين النار والدخان والغبار ورائحة الدم وحسابات الخسائر والمكاسب المادية والمعنوية- سياسية كانت أم عسكرية. التجربة اللبنانية تفرض نفسها بنتائجها علي تجارب عربية مثيلة أقربها التجربة العراقية في الجوار الشرقي (البعد المكانى) والتجربة المصرية (حرب أكتوبر) في الجوار الغربي (البعد الزمانى).

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

أمريكا في العراق وإسرائيل في لبنان

نجحت أمريكا في تقسيم العراق افتراضيا إلي مناطق ثلاث بفرض الحظر الجوي بين خطين أفقيين بعد حرب العام 1991 (تحرير الكويت)، الشمال الكردي والوسط السني والجنوب الشيعي، ثم استثمرت التأييد الشعبي الأمريكي والعالمي والحشد العسكري بعد أحداث 11 سبتمبر في إسقاط السلطة العراقية (بعد الأفغانية) في العام 2003.  كان الهدف المعلن هو إرساء دعائم نموذج ديمقراطى في المنطقة عن طريق التسييل وإعادة التشكيل. لم يأت قرار حل المؤسسات العراقية اعتباطا ومن أهمها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. سقطت الدولة العراقية وعمت الفوضى وعجزت الإدارة الأمريكية عن "عقلنة" تلك الفوضى التي أحدثتها عامدة متعمدة. والنتيجة أن الإمبراطورية الأمريكية وجدت نفسها في أتون وجحيم المقاومة الوطنية العراقية (السنية والشيعية) وليس مجرد مستنقع كما يتردد. ساهمت أمريكا في ترسيخ التقسيم الطائفي الذي بات شبه واقع مادى في إطار مخطط الشرق الوسط الكبير الذي يراد له أن يحيل المنطقة إلي مؤسسة أعمال كبري بإدارة إسرائيلية ورؤوس أموال خليجية وموارد مائية تركية وموارد بشرية مصرية، ويذوب التاريخ ويلغي وتتحول الجغرافيا إلي كنتونات عرقية وطائفية تكون أشبة بمحلات ودكاكين في "مول" تجاري كبير.

سخرت إسرائيل من التعثر والفشل الأمريكي في الجحيم العراقي وتعالت أصوات متهكمة من داخلها ومن روافدها في الولايات المتحدة تطالب الأمريكان بالاستفادة من نجاحات "التجربة الإسرائيلية" في المنطقة العربية. وصل الأمر إلي إنشاء مؤسسات أعمال إسرائيلية متخصصة في الدروس النظرية والتدريبات العملية في مقاومة الإرهاب العربي (!!). كان المدرسون والمحاضرون والمدربون عسكريين إسرائيليين سابقين، وكان الطلاب هواة من أمريكا وأوربا ومحترفين من طلاب العمل في الشركات الأمنية العاملة في العراق وغيرها (وهو الاسم الحديث للمرتزقة). اختلقت إسرائيل الأكذوبة ونشرتها وصدقتها ثم عمليا مارستها. جنت إسرائيل الكثير والمال الوفير، وقديما قالوا "رزق الهبل علي المجانين".

وجاءت التجربة اللبنانية لتتجرع القوات الإسرائيلية المدرعة من أخمص قدمها إلي قمة رأسها الذل والهوان في ربوع لبنان. خسرت إسرائيل في أقل من الشهر حوالي الخمسمائة قتيلا وجريحا من العسكر النخبة (110 قتيلا حتى الخميس 10 أغسطس 2006) وحوالي الخمس وسبعين دبابة ميركافا وانهال علي مختلف مدنها أكثر من 3500 قذيفة صاروخية مختلفة العيار ومتعددة الأشكال، جعلت سكانها يتذوقون ولأول مرة مرارة الحرب والقتال ومعاناة التهجير والمبيت كالفئران في الملاجئ الخراسانية.

خسائر إسرائيل عظيمة بالنسبة لحروبها السابقة اللبنانية بالخصوص والعربية بالعموم (خسرت إسرائيل حوالي ثلاثة آلاف قتيلا وجريحا منهم أكثر من ستمائة قتيلا في حرب لبنان 1982 – 2000م، أي في حوالي اثنتي عشرة عاما). خسائر إسرائيل في لبنان وحدها أضعاف خسائرها أمام الجيوش العربية النظامية (أمام سبعة دول في عام 1948، وثلاثة دول في العام 1967، وأمام مصر في حرب الاستنزاف 1968 إلي 1970، وأمام دولتين كبيرتين ومشاركة عراقية في العام 1973).

لمقتل العسكر النخبة وقع خاص جدا في صفوف القوات المسلحة. شهدنا ولمسنا ذلك في مقتل بطل الصاعقة المصري المقاتل "سند" في جبال اليمن (في الستينات) برصاصة "دمدم" من بندقية أحد المرتزقة. كان الألم مريرا وكان الحزن عظيما. لنا أن نتخيل كم عانت القوات المسلحة الإسرائيلية من مقتل العشرات من قوات النخبة في لواء مدرعات "غولاني" وكتائب الكوماندوز الذين يعتبرون "رامبو" إسرائيل القتالي الإعلامي (!!). مقتل أكثر من مئة من قوات النخبة يماثل تقريبا مقتل عدة آلاف من القوات العادية في الجيش الإسرائيلي.

ونقارن التجارب والنتائج. لماذا يخيم شبح ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق التالي